أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب عملية "مشروع الحرية" لتحرير السفن العالقة في مضيق هرمز ما يمكن أن يفتح مرحلة جديدة من التصعيد البحري، في وقت ترفض فيه طهران أي تدخل وتلوّح بالرد العسكري.
ويأتي هذا التطور في ظل أزمة مستمرة منذ شهرين، بعد إغلاق المضيق الذي يُعد شريانا حيويا للطاقة العالمية.
ويعكس التزامن بين التحرك العسكري الأميركي واستمرار المسار التفاوضي الهش، تعقيد المشهد، حيث تتداخل الأهداف الإنسانية المعلنة مع حسابات استراتيجية واقتصادية، ما يثير تساؤلات حول مآلات هذه العملية واحتمالات تحولها إلى مواجهة مباشرة.
عملية أميركية بغطاء إنساني
أعلن ترامب بدء عملية بحرية تحمل اسم "مشروع الحرية"، واصفا إياها بأنها مبادرة "إنسانية" تهدف إلى تحرير السفن العالقة منذ أسابيع في مياه الخليج، حيث يعاني آلاف البحارة من نقص في الغذاء والإمدادات.
وأوضح أن البحرية الأميركية ستتولى مرافقة سفن تابعة لدول "لا علاقة لها بالنزاع"، في محاولة لتجنب توسيع دائرة المواجهة.
وبحسب القيادة المركزية الأميركية سنتكوم، ستشمل العملية انتشارا عسكريا واسعا يضم مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، وأكثر من 100 طائرة، إضافة إلى نحو 15 ألف جندي، ما يعكس الطابع العسكري الثقيل للعملية رغم توصيفها الإنساني.
كما حذر ترامب من أن أي عرقلة إيرانية ستُواجه "بقوة"، في إشارة إلى استعداد واشنطن للتصعيد.
في المقابل، أكد الرئيس الأميركي استمرار المحادثات "الإيجابية جدا" مع طهران عبر وساطة باكستانية، ما يضع العملية ضمن مزيج من الضغط العسكري والدبلوماسية المتوازية.
طهران: تهديد مباشر ورفض قاطع
ردت إيران بلهجة حادة، معتبرة أن أي تدخل أميركي في مضيق هرمز يُعد "انتهاكا لوقف إطلاق النار"، وفق تصريحات لمسؤولين إيرانيين، بينهم إبراهيم عزيزي رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان.
وذهبت التحذيرات إلى أبعد من ذلك، حيث توعدت القوات المسلحة الإيرانية بمهاجمة أي قوة أميركية تحاول دخول المضيق.
وقال اللواء علي عبدالله إن "أي قوة مسلحة أجنبية وخاصة الجيش الأميركي ستكون هدفا للهجوم"، مؤكدا أن أمن المضيق "يقع تحت سيطرة القوات المسلحة الإيرانية"، وأن أي عبور يجب أن يتم بالتنسيق معها.
كما تصاعدت الاتهامات السياسية، إذ وصف مستشار عسكري للمرشد الإيراني التحرك الأميركي بأنه "قرصنة"، في مؤشر على تصعيد الخطاب ورفع سقف المواجهة.
عملية "بلا إجابات"
وأثارت الخطة الجديدة موجة من التساؤلات، في ظل غموض تفاصيل تنفيذها، رغم دخولها حيّز التطبيق بعد ساعات قليلة فقط من الإعلان عنها.
ورصدت شبكة "سي إن إن" بعض هذه الأسئلة أولها أن البيانات الرسمية وتصريح ترامب لم يوضحوا بشكل دقيق كيف ستُستخدم هذه القدرات العسكرية لإعادة حركة السفن التجارية عبر المضيق، ما زاد من حالة الغموض المحيطة بالخطة.
وترى جينيفير باركر، الباحثة في معهد لوي والضابطة السابقة في البحرية الأسترالية، أن الولايات المتحدة قد تعمد إلى تعزيز وجودها العسكري في المضيق بهدف طمأنة السفن التجارية وتشجيعها على العبور.
وأوضحت في تصريحات لشبكة CNN أن العملية تبدو أقرب إلى محاولة "تغيير الواقع الأمني في المضيق" بدلاً من توفير حماية مباشرة لسفن محددة، بحيث تشعر السفن بالأمان الكافي للمرور.
وأضافت أن المهمة قد تشمل نشر عدد محدود من السفن الحربية الأميركية داخل المضيق، إلى جانب طلعات جوية قادرة على رصد واستهداف أي قوارب أو سفن صغيرة قد تحاول مهاجمة السفن التجارية.
ورغم استبعادها لسيناريو مرافقة السفن التجارية بشكل مباشر عبر قوافل بحرية، أشارت باركر إلى أن زيادة عدد السفن الحربية الأميركية العابرة للمضيق قد تمثل خطوة إيجابية، إذ إن أي محاولة إيرانية لعرقلة العملية ستتطلب مواجهة مباشرة مع البحرية الأميركية، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
هل ممكن أن تنجح؟
في المقابل، أبدى مسؤولون في قطاع الشحن شكوكهم حيال فعالية الخطة، إذ قال الرئيس التنفيذي لشركة "أنغلو إيسترن"، إن إعادة فتح المضيق تتطلب تعاون الطرفين، وليس طرفًا واحدًا فقط.
ومنذ اندلاع الأزمة، تجنبت واشنطن نشر سفنها الحربية ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن أو الزوارق الهجومية السريعة التي يمكن لطهران حشدها بأعداد كبيرة في محيط المضيق.
ويرى خبراء أن التحديات العملياتية في المضيق كبيرة، نظرًا لضيقه الشديد، حيث يبلغ عرضه نحو 24 ميلًا في أضيق نقطة، بينما تمر الناقلات عبر ممرات لا تتجاوز ميلين فقط، ما يجعل عمليات المرافقة أو التدخل أكثر خطورة وتعقيدًا.
كما أن التهديدات الإيرانية المحتملة تعتمد على قوات متنقلة، تشمل طائرات مسيّرة وصواريخ يمكن إطلاقها من منصات برية، إضافة إلى إمكانية زرع ألغام بواسطة قوارب صغيرة أو حتى سفن مدنية.
وتساءل الباحث كولين كوه، عن مدى إمكانية القضاء على جميع مصادر التهديد، معتبرًا أن ذلك "غير واقعي".
من جهته، أشار قبطان سابق في البحرية الأميركية، إلى أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك عددًا كافيًا من المدمرات في الشرق الأوسط لتنفيذ عمليات مرافقة تقليدية للسفن.
ووفق التقارير، تمتلك الولايات المتحدة نحو 12 مدمرة في المنطقة، لكن ليس جميعها متاحًا لمهام المرافقة، إذ يشارك بعضها في فرض الحصار، بينما يرافق البعض الآخر حاملات الطائرات لتأمينها جويا.

تداعيات اقتصادية وضغوط تفاوضية
يأتي هذا التصعيد في سياق أزمة اقتصادية عالمية متفاقمة، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. وقد دفع ذلك أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، مع تجاوز سعر خام برنت 126 دولارا قبل أن يستقر عند نحو 108 دولارات.
وتشير بيانات الملاحة إلى وجود نحو 913 سفينة تجارية عالقة في الخليج، بينها مئات ناقلات النفط والغاز، إضافة إلى نحو 20 ألف بحار، ما يبرز حجم الأزمة الإنسانية واللوجستية.
كما حذرت دول عدة من تداعيات الإغلاق، حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعادة فتح المضيق "بالتنسيق"، بينما أكدت اليابان أن الأزمة تحمل "تداعيات هائلة" على اقتصادات آسيا المعتمدة على الطاقة.
في الوقت نفسه، تستمر المفاوضات بين واشنطن وطهران دون اختراق واضح، رغم تقديم إيران مقترحا جديدا يتضمن شروطا تشمل رفع العقوبات وانسحاب القوات الأميركية من محيطها. غير أن غياب التوافق، خاصة بشأن الملفات الأساسية مثل البرنامج النووي، يبقي احتمالات التصعيد قائمة، ويجعل من "مشروع الحرية" خطوة محفوفة بالمخاطر في منطقة شديدة الحساسية.





