في العلن، تبدو منصة المراهنات والتوقعات القائمة على العملات المشفرة "بوليماركت" (Polymarket) بمثابة منجم ذهب سريع يحول صغار المستثمرين إلى أثرياء بين عشية وضحاها. ولكن خلف الستار، يكشف تحقيق موسع أجرته صحيفة وول ستريت جورنال عن واحدة من أكبر عمليات التضليل الممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبين أن أرباح الملايين والصفقات الضخمة التي روج لها المؤثرون لم تكن سوى خدعة بصرية "مفبركة" جرى تصميمها داخل غرف مغلقة لإغواء الضحايا.
الرهانات الوهمية.. ثراء على مواقع "مستنسخة"
أحد أبرز وجوه هذه الحملة المضللة هو الطالب الجامعي جورج ماكيهارا، الذي ظهر في مقطع فيديو حصد تفاعلاً واسعاً وهو يدعي ربح ١٠٠ ألف دولار في يناير الماضي، إثر مراهنته على أن الرئيس دونالد ترامب سينطق بكلمة "ماكدونالدز" علناً.
أظهرت مقاطع ماكيهارا قيامه بـ 145 رهاناً بين يناير ومنتصف مايو 2026، بقيمة إجمالية تقارب ٤١٠ آلاف دولار، لكن الواقع الصادم الذي كشفه تحليل الصحيفة لأكثر من ١١٠٠ مقطع فيديو، مدعوماً بوثائق توجيهية ومقابلات مع صناع محتوى، يؤكد أن لا أحد من هؤلاء ربح سنتا واحدا، بل إن جميع تلك الرهانات كانت مزيفة.
كيف؟
لتحقيق هذا الخداع، لم تقم "بوليماركت" بتزوير الأرقام فحسب، بل أنشأت نسخاً برمجية مطابقة تماماً لموقعها الحقيقي (Dummy Sites)، ووجهت المؤثرين، ومعظمهم في الجامعات، بالقيام بتداولات وهمية داخل هذه البيئات التجريبية، مع إخفاء حقيقة تلقيهم أموالاً مقابل ذلك، والتي تراوحت بين ألفين و٣ آلاف دولار شهريا، وقد رصد التحقيق زلات تقنية في المقاطع كشفت عن روابط إلكترونية (URLs) داخلية تخص مهندسي المنصة، وتم إغلاق أحد المواقع الوهمية فور تواصل الصحيفة مع إدارة الشركة.
جيش الترويج السري
رغم حظر "بوليماركت" (ومقرها نيويورك) من تقديم خدماتها الأساسية للعملات المشفرة داخل الولايات المتحدة منذ تسوية قضائية عام 2022، إلا أن الشركة استهدفت الجمهور الأميركي بشكل مباشر ومخالف للقانون عبر استئجار "جيش إلكتروني" لنشر المقاطع وحث المستخدمين على استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لتجاوز الحظر.
وتعاقدت المنصة مع شركة تسويق تدعى "فايراليتي" (Virality) لإدارة مئات الحسابات التي تقوم بقص وإعادة نشر المقاطع (Clippers) لتبدو وكأنها تجارب "شخصية وعفوية".
وحققت هذه الحملة الخفية أكثر من 140 مليون مشاهدة عبر منصات "تيك توك"، "يوتيوب"، و"إنستغرام". ولم يقتصر الأمر على صغار المؤثرين، بل شملت العقود شخصيات شهيرة مثل "آدين روس" (Adin Ross) الذي يمتلك عقداً بملايين الدولارات، وظهر في مقاطع يروج فيها لسهولة استغلال "المعلومات الداخلية" للتلاعب بالسوق وتحقيق أرباح مضللة.
صراع البقاء التنظيمي
تأتي هذه الفضيحة في وقت تخوض فيه "بوليماركت" سباقاً محموماً لاستعادة حجم تداولها أمام منافستها الشرسة المنظمة قانوناً في أميركا "كالشي" (Kalshi)، والتي تفوقت عليها مؤخراً وضاعفت حجم تداولاتها مقارنة بـ"بوليماركت".
وفي محاولة للالتفاف، أطلقت "بوليماركت" تطبيقاً منظماً ومحدوداً داخل أميركا، لكن التحقيقات أثبتت أن صناع المحتوى واصلوا فبركة التداولات عليه أيضاً باستخدام واجهات مستنسخة، وتغيرت فيها المسميات بشكل طفيف (مثل تغيير مسمى سوق المراهنة من "26 World Cup" الحقيقي إلى "2026 FIFA World Cup" المزيف).
رمادية وتواطؤ محتمل
تمنع القوانين الفيدرالية الأميركية ومؤسسات حماية المستهلك (FTC) خداع المستهلكين بالإعلانات، وتلزم المؤثرين بالإفصاح عن علاقتهم المالية بالشركات. كما تحظر قوانين السلع والبورصات (CFTC) الممارسات التضليلية في أسواق التوقعات. وبينما رفض متحدث باسم (FTC) التعليق على التحقيق، أشارت هيئة (CFTC) إلى أهمية إعادة منصات المراهنات الخارجية إلى المظلة التنظيمية الأميركية لإحكام الرقابة عليها.
من الناحية السياسية، تحظى أسواق التوقعات بدعم من إدارة ترامب؛ حيث صرح الرئيس ترامب سابقاً بأنه من "الضروري جداً" منح هيئة (CFTC) سلطة حصرية على هذه الأسواق لمنع الولايات من فرض ضرائب عليها أو تقييدها.
ومن الجدير بالذكر أن دونالد ترامب جونيور يُعد مستثمراً في "بوليماركت" ومستشاراً مدفوع الأجر لمنصة "كالشي" المنافسة، وهو ما ينفيه البيت الأبيض معتبراً أنه لا يوجد أي تضارب في المصالح.
وعود بـ "التدقيق"؟
وفي محاولة لامتصاص الصدمة، أفادت شركة "بوليماركت" في بيان رسمي بأنها "ملتزمة بالحفاظ على أسواق دقيقة وعادلة وشفافة"، وأعلنت أنها تخطط لإجراء "تدقيق شامل" لجميع المحتويات الترويجية النشطة.
لكن بالنسبة لخبراء مكافحة الفساد المالي، فإن بناء "أنظمة تداول موازية ومزيفة" لبث محتوى يغري الشباب بإيداع أموالهم تحت وهم "المال المجاني"، يتجاوز مجرد كونه "تسويقاً ذكياً" ليصبح جريمة تضليل مالي مكتملة الأركان تتطلب تدخلاً فورياً من الهيئات الرقابية الدولية لحماية المستهلكين من هذا الكسب الوهمي.





