يواجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مأزقًا حرجًا يضعه في قلب اشتباك مباشر بين اثنتين من كبرى الشركات الأميركية، حيث تتصادم أولوياته الاقتصادية المتمثلة في خفض الأسعار للمستهلكين مع هدفه الإستراتيجي بزيادة الإنتاج المحلي لأشباه الموصلات. وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، تصطدم حملة ضغط شرسة تشنها شركة "آبل" بهدف استخدام شرائح ذاكرة صينية لخفض تكاليفها المتزايدة، بمسعى قوي ومضاد من المورد الأميركي الرئيسي "مايكرون تكنولوجي" لعرقلة هذه الخطوة بالكامل.
ضغوط "آبل" ومخاوف "مايكرون"
في الأسابيع الأخيرة، نقلت وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة أن تيم كوك، الرئيس التنفيذي لـ"آبل"، وكبار مسؤوليه التنفيذيين عرضوا على ترامب ومسؤولين آخرين، بينهم وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخزانة سكوت بيسنت، خطة لاستخدام شرائح من شركتي "تشانغكسين" و"يانغتسي" الصينيتين، في أجهزة "آبل" التي تُباع خارج الولايات المتحدة. وتلفت الشركة إلى أن هذا التحرك سيخفف الضغط العالمي على شرائح الذاكرة ويقلص الأسعار.
بالمقابل، حذر سانجاي ميهروترا، الرئيس التنفيذي لـ"مايكرون"، وهي صانع شرائح الذاكرة الأميركي الوحيد ذو الحجم الكبير، الإدارة من أن السماح ببيع التكنولوجيا الصينية لشركات أميركية، بغض النظر عن منطقة البيع، قد يدمر الصناعة المحلية، مشبهًا الأمر بما فعلته الصين في تدمير مصانع الصلب الأميركية. ويُذكر أن البنتاغون صنف هؤلاء الموردين كشركات عسكرية، كما تندرج "يانغتسي" ضمن قائمة الكيانات المحظورة تجاريًا.
اتهامات متبادلة حول الأسعار
أفادت الصحيفة بأن ثورة الذكاء الاصطناعي منحت "مايكرون" موقفًا أقوى، فمع توجه مراكز البيانات لشراء كميات ضخمة من الذاكرة بأسعار أعلى، فقدت "آبل" نفوذها. وتضاعفت أسعار الشرائح أربع مرات خلال العام الماضي وفقاً لبيانات أوردتها الصحيفة.
وتشتكي "آبل" من التلاعب بالأسعار، معتبرة أن تجاوز هوامش ربح "مايكرون" 80% يعد دليلًا على ذلك. وتتهمها بتوجيه طاقاتها الإنتاجية لعملاء الذكاء الاصطناعي وعدم إعادة الاستثمار لتوسيع العرض. في المقابل، ترد "مايكرون" بأنها تخطط لإنفاق 250 مليار دولار محليًا، وتتهم "آبل" بالتسبب في النقص الحالي نتيجة لضغطها الشديد للحصول على أسعار متدنية خلال فترات الانكماش السابقة.
تاريخ من العداء والنفوذ السياسي
أوضحت وول ستريت جورنال أن هذه المفاوضات القاسية ولّدت ضغينة طويلة الأمد، إذ كان ميهروترا، حين أدار شركة "سانديسك" سابقًا، يمتنع عن الاجتماع بـ"آبل" لاستيائه الشديد منها.
وتتمتع الشركتان بصلات ضغط قوية. فقد التقى رئيسا الشركتين بترامب في المكتب البيضاوي وسافرا معه إلى الصين، وساهمتا بتمويل قاعة احتفالات البيت الأبيض. وأهدى كوك ترامب درعا ذهبيا في حملة سابقة لنيل إعفاءات جمركية، فيما تعهدت "مايكرون" باستثمار 250 مليون دولار لمطابقة تمويل ما يُسمى "حسابات توفير ترامب" لحديثي الولادة. وكانت محاولة "آبل" للعمل مع "يانغتسي" الصينية عام 2022 قد جوبهت بهجوم من ماركو روبيو (وزير الخارجية الحالي) الذي وصف الخطوة آنذاك بأنها "لعب بالنار".
موقف الإدارة الأميركية المعقد
تضع هذه المعركة البيت الأبيض أمام خيار صعب. فرغم تجنب ترامب فرض قيود على الشركات الصينية وسط المفاوضات التجارية، صرح برغبته في زيادة إنتاج الرقائق المحلية بشكل كبير قبل مغادرة منصبه.
ونقلت الصحيفة عن مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا، تأكيده للمشرعين ضرورة بناء القدرات محليًا ورفض إبرام أعمال مع كيانات مدرجة بالقائمة السوداء. في حين صرح المتحدث باسم البيت الأبيض بأن الإدارة تسعى لتحقيق الإغاثة الاقتصادية بالتوازي مع حماية الأمن القومي، مما يعمق النقاش داخل الإدارة حول كيفية التعامل مع التكنولوجيا الصينية، وهو ملف يقود جهوده حاليًا الوزيران لوتنيك وبيسنت.





