تخوض الصين واحدة من أكبر معاركها التكنولوجية في العقود الأخيرة، في محاولة لتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، وهي التكنولوجيا التي أصبحت تمثّل عصب المنافسة العالمية في الاقتصاد والطب والصناعة والقدرات العسكرية.

وبحسب تحقيق نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، تقود بكين حملة واسعة لتطوير بدائل محلية لرقائق الشركات الأميركية، وعلى رأسها شركة إنفيديا، بعد القيود التي فرضتها واشنطن على وصول الصين إلى أحدث الشرائح الإلكترونية ومعدات تصنيعها.

ويأتي هذا الجهد تحت إشراف نائب رئيس الوزراء الصيني، دينغ شيويه شيانغ، أحد المقربين من الرئيس شي جين بينغ، الذي أطلق خطة تعبئة وطنية تشبه، وفق الصحيفة، الأساليب التي استخدمتها الصين في ستينيات القرن الماضي لتطوير أسلحتها النووية والأقمار الاصطناعية خلال فترة التوتر مع الاتحاد السوفياتي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

منعطف بدأ مع العقوبات الأميركية

بدأت نقطة التحول بعد قرار إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن عام 2022 فرض قيود على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين، بهدف الحدّ من قدرة بكين على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات الاستخدامات العسكرية.

وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن تلك القيود لم تُنظر إليها في بكين كإجراء تجاري فقط، بل كتهديد مباشر لطموحات الصين في أن تصبح قوة تكنولوجية عالمية.

وفي مواجهة ذلك، شكّل دينغ لجنة خاصة ضمت كبار الشركات والمختبرات الصينية، وحددت مجالات رئيسية للعمل، من بينها تصميم الرقائق، وتقنيات التغليف المتقدمة، وذاكرة النطاق الترددي العالي، وبرمجيات تصنيع الشرائح.

كما بدأت السلطات الصينية في تحديد الشركات التي ستحصل على الأولوية في الوصول إلى الإمدادات المحدودة من الرقائق، مع محاولة تجنّب أخطاء سابقة شهدها قطاع أشباه الموصلات الصيني، مثل سوء الإدارة والفساد وضعف الكفاءة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هواوي في قلب المعركة

تتصدر شركة هواوي جهود الصين لبناء بديل محلي عن إنفيديا. ووفقا لوول ستريت جورنال، قدمت الشركة العام الماضي عرضا مغلقا لمسؤولين صينيين كبار حول تقدمها في تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن الصين قد تصبح مكتفية ذاتيا في بعض المجالات الأساسية خلال ٣ سنوات.

وتقول بيانات نقلتها الصحيفة عن مؤسسة مورغان ستانلي إنّ اعتماد الصين على الرقائق الأجنبية انخفض من نحو 90% عام 2021 إلى أقلّ من 60% عام 2025، فيما تأمل بكين في خفض النسبة إلى نحو 25% خلال السنوات الـ٥ المقبلة.

وقال إريك شو، نائب رئيس هواوي، إن الضغوط الأميركية دفعت الشركة والقطاع الصيني بأكمله إلى تسريع الابتكار، معتبرا أن القيود الخارجية أصبحت عاملا حفز الصين على بناء قدراتها الخاصة.

سباق لا يقتصر على العتاد

في مجال البرمجيات، حققت الصين تقدما لافتا، حيث ذكرت وول ستريت جورنال أن شركات ناشئة صينية باتت تنافس نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية.

ومن بين الأمثلة شركة مون شوت إيه آي التي كشفت عن نموذجها "كيمي K3"، الذي اقترب من أداء نماذج طورتها شركات أميركية كبرى. كما أعلنت شركات صينية أخرى، بينها ميتوان، عن نماذج ذكاء اصطناعي قالت إنها دُربت بالكامل باستخدام رقائق صينية.

لكن المشكلة الأساسية لا تزال في البنية التحتية. فحتى مع التطور السريع، لا تزال الصين متأخرة في القدرة الحوسبية مقارنة بالولايات المتحدة.

وأشارت الصحيفة إلى أن شركة مون شوت اضطرت إلى تعليق التسجيل في خدماتها المدفوعة بعد يومين فقط من إطلاق نموذجها الجديد بسبب نقص القدرة الحوسبية اللازمة لتشغيله.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تكنولوجيا "النحت الدقيق" لمواجهة القيود

أمام صعوبة الوصول إلى أحدث معدات تصنيع الرقائق، خصوصا آلات الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية القصوى EUV التي تنتجها شركة أوروبية محدودة، طورت هواوي حلولا بديلة تعتمد على تحسين استخدام المعدات القديمة.

وتشرح وول ستريت جورنال أن الصين لا تستطيع حاليا الوصول إلى أكثر تقنيات التصنيع تقدما، لكنها تحاول تعويض ذلك عبر تقنيات التغليف المتقدم، وتصميمات جديدة للرقائق، وتحسين البرمجيات.

وتستخدم الصناعة الصينية ما يُعرف داخليا باسم "النحت الدقيق"، أي استخراج أكبر قدرة ممكنة من تقنيات أقلّ تطورا.

ونقلت الصحيفة أنّ هواوي قدّمت براءات اختراع جديدة خلال العامين الماضيين تهدف إلى تقليل أخطاء الإنتاج وتحسين كفاءة استخدام المعدات القديمة، بعضها يعتمد على الذكاء الاصطناعي نفسه.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

فجوة ما زالت كبيرة

رغم التقدم، تؤكّد وول ستريت جورنال أنّ الفجوة بين الصين والولايات المتحدة لا تزال واسعة.

توفر رقاقة إنفيديا الأكثر تطورا قدرة حسابية تقدر بنحو ٤ أضعاف أفضل رقائق هواوي الحالية، كما أنّ قدرة الصين الحوسبية في مجال الذكاء الاصطناعي بلغت نحو 14% فقط من مستوى الولايات المتحدة عام 2025 وفق تقديرات مؤسسة "برنشتاين".

معركة تمتدّ لعقود

تراهن بكين على أنّ خبرتها السابقة في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات يمكن أن تساعدها في كسر الاحتكار الأميركي في مجال الرقائق، لكنّ الخبراء يحذرون من أنّ أشباه الموصلات تختلف عن أي صناعة أخرى.

ونقلت وول ستريت جورنال عن محللين قولهم إن بناء منظومة رقائق متكاملة بعيدا عن التكنولوجيا الأجنبية قد يحتاج سنوات طويلة، خصوصا أنّ تصنيع آلات الطباعة المتقدمة يتطلب دقة وتعقيدا استثنائيين.

ويقول المؤرخ التكنولوجي كريس ميلر، مؤلف كتاب "حرب الرقائق"، إنّ تطوير صناعة أشباه الموصلات قد يكون أكثر تعقيدا من بناء الأسلحة النووية، لأنّ الأمر يتطلب مزيجا نادرا من الهندسة والموادّ والبرمجيات والدقة الصناعية.