بعد أيام من تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال يفيد بوجود موقع إسرائيلي سري داخل العراق يُستخدم لدعم عمليات تل أبيب ضد طهران، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن معلومات جديدة تشير إلى اكتشاف موقع سري إسرائيلي ثانٍ. وأضاف التقرير أن أحد هذين الموقعين يعمل بشكل متقطع منذ أكثر من عام، في مؤشر يعكس استمرار نشاط غير معلن في المنطقة.

"نيويورك تايمز" في تقريرها الجديد أفادت نقلا عن مسؤولين إقليميين، أن إسرائيل أمضت أكثر من عام في تجهيز موقع سري في الصحراء الغربية الوعرة في العراق لعملياتها ضد طهران، مؤكدة وفق مسؤولين عراقيين وجود قاعدة إسرائيلية سرية ثانية.

ويأتي هذا التقرير بعد نفي بغداد للتقارير المتداولة حول وجود قاعدة سرية على أراضيها.

وكانت وكالة أسوشيتد برس أفادت نقلا عن مسؤولين عراقيين تأكيدهم وجود قوة صغيرة غير مصرح لها بالتواجد في الصحراء لفترة قصيرة، لكنهم لم يعترفوا بأنها إسرائيلية.

إلا أن مسؤولي أمن واستخبارات عراقيين، ومسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى، آثروا عدم الكشف عن أسمائهم، أكدوا أنها إسرائيلية.

"صدفة" كشف المخطط

اكتشاف أول موقع جاء عن طريق الصدفة، عندما شاهد راعي عراقي تحركات ونشاط عسكري غير معتاد في المنطقة، وقام بإبلاغ السلطات المحلية للتحقق، وبعدها عثر على جثته.

وبحسب الصحيفة، خلال عمله في المنطقة عثر راع يدعى عوض الشمري على موقع سري عسكري إسرائيلي شديد الحراسة، مخبأ في صحراء النخيب، وهي منطقة قاحلة تقع جنوب غرب مدينتي كربلاء والنجف.

بحسب رواية أحد أقربائه، فإن الشمري كان في شاحنته في طريقه إلى أقرب بلدة، وهي النخيب لشراء حاجياته بعد الظهر من يوم 3 مارس، وهو مشهد مألوف لسكان مخيم البدو في الصحراء الغربية الوعرة بالعراق.

قال ثلاثة شهود من المخيم للصحيفة إن مروحية كانت تطارد الشاحنة، وتطلق عليها النار مرارا وتكرارا حتى توقفت فجأة في الرمال.

بعد ساعات وجدت شاحنة الشمري بعيدة كل البعد عن المكان المعتاد له، وتحولت إلى قطعة محروقة ومثقوبة بالرصاص فيما جثته شبه محترقة. وتعتقد عائلته أن إبلاغه السلطات كلفه حياته، ليتم دفنه بالقرب من مكان العثور عليه.

تفاصيل جديدة عن القاعدة العسكرية

نقلت الصحيفة عن مسؤولين أمنيين إقليميين قولهم إن القاعدة التي عثر عليها الشمري تعود إلى ما قبل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وقد استُخدمت أيضا خلال حرب الـ12 يوما ضد طهران في يونيو 2025.

وقال أحد المسؤولين الإقليميين إن القوات الإسرائيلية بدأت الاستعداد لبناء هذه القاعدة المؤقتة منذ أواخر عام 2024، وذلك ضمن جهودها لتحديد مواقع نائية يمكن الانطلاق منها في نزاعات مستقبلية.

ورفض الجيش الإسرائيلي التعليق على المعسكرات أو على مقتل الشمري، وذلك في أعقاب طلبات متكررة من الصحيفة الأميركية.

وسبق أن نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريراً عن وجود موقع إسرائيلي في العراق. وبعدها أبلغ مسؤولون عراقيون صحيفة "نيويورك تايمز" بوجود القاعدة الثانية غير معلنة أيضاً في الصحراء الغربية للعراق.

هل كان العراق على علم؟

تشير المعلومات التي أدلى بها شهود عيان لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن إحدى هذه القواعد على الأقل، وهي القاعدة التي عثر عليها الشمري بالصدفة، كانت معروفة لدى واشنطن منذ يونيو 2025، أو ربما قبل ذلك. وهذا يعني على الأرجح أن الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي الآخر لبغداد، أخفت عن العراق حقيقة وجود قوات معادية على أراضيه.

ونقلت الصحيفة عن وعد القدو، وهو نائب عراقي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية حول تلك القاعدة، قوله: "هذا يُظهر استهتارا صارخا بالسيادة العراقية وحكومتها وقواتها، فضلا عن كرامة الشعب العراقي".

بموازاة ذلك، أكد مسؤولون إقليميون أن الدور الأميركي في الأمن العراقي كان جزءا من حسابات إسرائيل التي دفعتها إلى اتخاذ قرار بإمكانية العمل سرا في العراق بأمان.

في كلٍّ من الحرب القصيرة التي اندلعت العام الماضي والنزاع الحالي، صرّح مسؤولان أمنيان عراقيان بأن واشنطن أجبرت العراق على إغلاق راداراته لحماية الطائرات الأميركية، ما جعل بغداد أكثر اعتمادا على القوات الأميركية لرصد أي نشاط عدائي، وفق الصحيفة.

ويثير الكشف عن هذه القواعد تساؤلات محرجة للعراق أيضا، منها: هل كانت قواته حقا لا تعلم بوجود أجنبي؟ أم أنها كانت على علم به، لكنها اختارت تجاهله؟

ويعكس كلا الاحتمالين عجز العراق، العالق منذ زمن طويل في صراع بين واشنطن وطهران، عن بسط سيطرته الكاملة على أراضيه، بحسب الصحيفة.

العراق يبحث عن القواعد

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، الأحد، أن قوات عسكرية وأمنية عراقية نفذت عملية لتأمين المناطق الصحراوية وتعزيز الاستقرار الأمني في مناطق غربي البلاد.

وأوضحت أن القوات نفذت واجباتها من عدة محاور وفي عمق قاطع المسؤولية، بهدف ملاحقة المطلوبين للقضاء، وضبط الأسلحة غير المرخصة، فضلًا عن تأمين المناطق الصحراوية وتعزيز الاستقرار الأمني، بما يسهم في دعم الأمن وفرض سلطة القانون ضمن قاطع المسؤولية.

من جهتها، أعلنت هيئة الحشد الشعبي، منذ الأسبوع الماضي، انطلاق عمليات أمنية في بادية النجف وكربلاء وسط العراق، بهدف تأمين المناطق الصحراوية.