لم تعد جزيرة ميون (بريم) مجرد هدف محتمل في تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، بعدما سيطر عليها فعلا عناصر الجماعة، بالتزامن مع انتشارهم في مدينة ذوباب الساحلية، عقب سيطرتهم على المخا.
وقال مسؤول حكومي يمني لرويترز إن "قوارب على متنها مسلحين حوثيين وصلت الى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات الحكومية منها بالأمس".
وقال شهود إن المسلحين الحوثيين "ينتشرون في شاطئ باب المندب ولديهم مركبات عسكرية يتجولون فيها".
تزامنا، أفاد مصدران حكوميان يمنيان لرويترز أن الحوثيين وصلوا إلى مدينة ذوباب الواقعة مباشرة على مضيق باب المندب مقابل جزيرة بريم.
وذكرت مصادر حكومية لرويترز أمس الخميس أن السيطرة على ذوباب وبريم أمر أساسي لبسط السيطرة على المضيق.
وبهذا التقدم، أحكم الحوثيون انتشارهم على أبرز المواقع اليمنية المطلة على المضيق، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، ما يضع حركة السفن بين آسيا وأوروبا أمام تهديد متزايد، ويمنح الجماعة نفوذاً مباشراً عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس.
ولا يعني سقوط ميون إغلاق المضيق تلقائياً، لكنه قد يضع قوة مسلحة على تماس مباشر مع مسارات الملاحة، في وقت أثبتت فيه هجمات محدودة منذ أواخر عام 2023 قدرتها على دفع كبرى شركات الشحن إلى مغادرة البحر الأحمر والالتفاف حول أفريقيا.
جزيرة صغيرة في قلب المضيق
تقع جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، داخل مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.
ويفصل باب المندب اليمن في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.
ويبلغ عرض المضيق نحو 18 ميلاً، أي 29 كيلومتراً، عند أضيق نقطة فيه. وتفصل جزيرة ميون الممر المائي إلى قناتين، ما يفسر أهميتها العسكرية والملاحية، ويجعل السيطرة عليها عاملاً مؤثراً في مراقبة السفن القادمة إلى البحر الأحمر أو المغادرة منه.
وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تتحرك الناقلات عبر قناتين ملاحيتين لا يتجاوز عرض كل منهما ميلين، رغم أن عرض المضيق الإجمالي يبلغ 18 ميلا، بحسب موقع "يو إس انرجي انفورميشن".

الطريق إلى ميون يبدأ من المخا
تأتي أهمية الجزيرة في ظل سعي الحوثيين المدعومين من إيران للسيطرة على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، بما يعزز نفوذهم على باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً وتنازعاً في العالم.
يسيطر الحوثيون بالفعل على الحديدة، التي استخدموها قاعدة لحملتهم الأوسع من الهجمات على السفن في البحر الأحمر، ثم تقدموا جنوباً وسيطروا على المخا، المدينة الساحلية التاريخية المعروفة بأنها مهد تجارة القهوة العالمية.
لكن المخا لا تقع مباشرة على أضيق نقطة في باب المندب. وإلى الجنوب منها تقع ذوباب، الممتدة بمحاذاة المضيق، ثم جزيرة ميون داخل الممر المائي نفسه. ولذلك تُعد السيطرة على ذوباب والجزيرة الخطوتين الأكثر أهمية لإحكام النفوذ على المضيق.

ماذا يمنح سقوط الجزيرة للحوثيين؟
قد تتيح السيطرة على ميون للحوثيين موقعاً متقدماً داخل باب المندب، وقدرة أكبر على رصد السفن التي تعبر الممر وممارسة ضغط مباشر على حركة الشحن.
لكن السيطرة على الجزيرة وحدها لا تعني امتلاك القدرة المطلقة على إغلاق باب المندب؛ إذ يعتمد ذلك على الانتشار العسكري في ذوباب والساحل المقابل، والقدرات المستخدمة لاستهداف السفن، وردود الفعل العسكرية الدولية.
شريان يربط آسيا بأوروبا
يمثل باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يعني أن السفن القادمة من آسيا وخليج عدن يجب أن تعبره للوصول إلى القناة والبحر المتوسط.
كما يشكل المضيق طريقاً حيوياً لشحنات النفط والغاز والسلع بين آسيا وأوروبا، ولحركة الطاقة المرتبطة بقناة السويس وخط أنابيب السويس–البحر المتوسط "سوميد"، فضلاً عن الشحنات المتجهة إلى آسيا، بما فيها النفط الروسي.
وتؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن السفن المتنقلة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس لا بد أن تمر بباب المندب. وقد مثّل المضيق خلال النصف الأول من عام 2023 ممراً لنحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وبحسب بيانات شركة "كبلر" الواردة في تقرير رويترز، بلغت كميات المنتجات النفطية التي عبرت باب المندب خلال يونيو نحو 7% من إجمالي إنتاج النفط العالمي.
كلفة تصل إلى اقتصاد العالم
منذ أواخر عام 2023، شنّ الحوثيون حملة متواصلة من الهجمات على السفن في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، وزعموا أنها تأتي تضامناً مع الفلسطينيين في غزة خلال الحرب بين حركة حماس وإسرائيل.
ودفعت الهجمات شركات كبرى، بينها "هاباغ لويد" و"إم إس سي" و"ميرسك"، إضافة إلى "بي بي" و"فرونت لاين"، إلى تحويل سفنها بعيداً عن قناة السويس والإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
وأدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الشحن وإطالة الرحلات أسابيع. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب انخفضت بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، فيما ارتفعت التدفقات المارة حول رأس الرجاء الصالح إلى 9.2 مليون برميل يومياً.
لذلك لا تكمن خطورة سقوط ميون في مساحة الجزيرة، بل في موقعها: نقطة صغيرة داخل ممر يؤدي تعطيله إلى إرباك قناة السويس، وإطالة طرق التجارة، ورفع كلفة الوقود والتأمين والشحن، ونقل التداعيات من الساحل اليمني إلى الأسواق العالمية.





