عميقاً، تحت سلسلة صخرية قاحلة في وسط إيران، تتكشف ملامح ما قد يكون أحدث ملفات البرنامج النووي الإيراني إثارة للجدل. يحمل الموقع اسما محليا هو "كوه كولنگ گاز لا"، وتعني "كولنگ" بالفارسية (كولانغ) أي الفأس، وهو ما جعل الاستخبارات الغربية ووسائل الإعلام تطلق عليه اسم "جبل الفأس". يرتفع الجبل 1608 مترا فوق سطح البحر، ويقع جنوب منشأة نطنز للتخصيب، ضمن محيط أمني واحد يجمع بينهما.

وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الموقع مباشرة في دائرة الاستهداف، إذ قال في مقابلة إذاعية يوم 13 يوليو إن واشنطن تراقب الجبل عن كثب، ووصفه بأنه هدف محتمل لضربة كبيرة، قبل أن يحسم كلامه بالقول إن بلاده ستقضي على المنشأة، ودعا طهران إلى الاستعداد لذلك.

من جهتها، نفت إيران الأربعاء مرة جديدة وجود أي مجمع نووي سري تحت الأرض في جبل كولانغ بوسط البلاد، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عبر إكس إن "هوس واشنطن بجبل كولانغ حيث لا يجري أي نشاط نووي، ليس سوى ذريعة ملفقة لتبرير العدوان والتدمير والتخريب".

غير أن الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا من التصريحات النارية. بحسب تحليلات صور الأقمار الصناعية نقلتها مجلة دير شبيغل الألمانية، لا تزال المنشأة قيد الإنشاء ولم تدخل طور التشغيل بعد، رغم استمرار أعمال البناء فيها.

ولم يتعرض الموقع لأي ضربة مباشرة في حربي يونيو 2025 أو 2026، باستثناء تدمير مركبة كانت متمركزة على كومة ترابية مجاورة، يُعتقد أنها كانت جزءا من منظومة دفاع جوي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

نشأة الموقع وأهميته

بدأ حفر الأنفاق الرئيسية في خريف عام 2020، حين أعلنت طهران حينها أن الفراغات تحت الأرض ستحل محل منشأة تجميع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي كانت قائمة فوق سطح الأرض في نطنز قبل تدميرها، وكانت تلك المنشأة مصممة لتجميع نحو ستة آلاف جهاز طرد مركزي متطور سنويا، أي طاقة إنتاجية ضخمة كانت موجهة أصلا لتعويض ما سيفقده البرنامج الإيراني تدريجيا بعد انتهاء سقوف اتفاق 2015 النووي.

يحتوي الموقع على أربعة مداخل، يُرجَّح أنها تفضي إلى منشأة واحدة متصلة، وإن لم يُستبعد تماما أن تكون كل مجموعة مستقلة بذاتها.

ويقدّر معهد العلوم والأمن الدولي الإسرائيلي أن عمق المنشأة لا يقل عن مئة متر تحت سطح الجبل، بينما تذهب تقديرات ألمانية إلى أن أجزاء منها قد تبلغ نحو 135 مترا تحت الصخر الصلب، أي أعمق حتى من منشأة فوردو الشهيرة، وهو عمق قد يجعلها بمنأى عن مفعول أقوى القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات.

وبحسب تقرير سابق لصحيفة وول ستريت جورنال، تعتقد أجهزة استخبارات إسرائيلية أن طهران نقلت جزءا من أجهزة الطرد المركزي إلى هذا الموقع، وهي الأجهزة التي لا غنى عنها إذا قررت إيران المضي في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات صالحة للاستخدام العسكري.

تحصينات متصاعدة

عززت إيران منذ عام 2025 الإجراءات الأمنية حول الجبل، فشرعت في إقامة سياج مزدوج يجمع بين سور وسياج معدني، ترافقه طرق دوريات تحيط بكامل المرتفع وتتصل بمحيط مجمع نطنز النووي الأوسع.

كما دُعّم مدخلان من أصل أربعة بطبقات من الخرسانة والتراب فوق فتحات الأنفاق. وعقب الحربين الأخيرتين، بادرت طهران إلى ردم المدخلين الشرقيين جزئيا لمنع دخول المركبات، من دون أن تغلقهما بالكامل، على غرار ما جرى في مواقع نووية أخرى كفوردو ونفق أصفهان.

في المقابل، لا يزال المدخلان الغربيان مفتوحين وفق صور رُصدت في 9 يوليو 2026، وهو ما يجعلهما نقطة ضعف واضحة، سواء أمام ضربة جوية دقيقة أو حتى عملية برية تدخل عبرهما مباشرة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

سيناريوهات الضربة المحتملة

ذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية أنه في العام الماضي، استعانت القوات الأميركية بقنابل "جي بي يو-57" الخارقة للتحصينات التي يبلغ وزنها 14 طنا، لضرب منشأتي فوردو ونطنز، إذ تطلّب الأمر إسقاط عدة قنابل من قاذفات شبح متتالية للوصول إلى عمق فوردو البالغ نحو 90 مترا.

ونظريا يمكن تكرار الأسلوب ذاته في جبل الفأس، لكن يبقى السؤال مفتوحا بشأن العدد المتبقي من هذه الذخائر باهظة الثمن في الترسانة الأميركية، فيما لا يزال جيل جديد أكثر قدرة على الاختراق، يحمل اسم "جي بي يو-76"، قيد التطوير ولم يدخل الخدمة الفعلية بعد.

ويرى معهد العلوم والأمن الدولي أن المساحة المتاحة تحت الجبل ربما تكون كافية لإيواء أنشطة متقدمة، من بينها تصنيع معدن اليورانيوم الصالح للاستخدام العسكري وتشكيله لاحقا إلى مكونات نووية، فضلا عن إمكانية إقامة أجهزة طرد مركزي إضافية على المدى الطويل.

بيد أن أي منشأة من هذا النوع تبقى مرتبطة حكما بالعالم الخارجي، عبر معدات مستوردة وإمدادات كهربائية وأنظمة تهوية وتبريد وطواقم بناء وتشغيل، وهي روابط قد تشكل ثغرات قابلة للاستغلال.

ويستدل خبراء على ذلك بتجارب سابقة، إذ استُهدفت منشأتا فوردو والشهيد بروجردي عبر فتحات التهوية تحديدا، ما سمح باختراق داخلي رغم كل التحصينات المحيطة بهما.

مخزون اليورانيوم لا يزال قائما

تشير التقديرات إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب في موقع أو أكثر من المواقع السرية غير المعلنة، وهي كمية قد تكفي نظريا لصنع عدد محدود من الأسلحة النووية إذا اتخذت القيادة الإيرانية قرارا بذلك.

غير أن حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية للبلاد يجعل من غير المرجح حاليا أن تشهد الأشهر المقبلة عملية تخصيب واسعة النطاق.

ويبقى مصير جبل الفأس معلقا بين إصرار طهران على مواصلة تحصين موقعها وتوسيعه، وقدرة واشنطن وتل أبيب على تطوير وسائل فعّالة لاختراق هذا العمق الصخري.