عندما ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب اسم جبل "كلنك كزلا" (جبل الفأس) ضمن أهداف محتملة لأي ضربة عسكرية ضد إيران، لم يكن يتحدث عن موقع عسكري معروف أو قاعدة صاروخية معلنة، بل عن منشأة يحيط بها قدر كبير من الغموض حتى إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تدخلها يوما.

ومنذ تلك التصريحات، تحول الجبل الواقع جنوب منشأة نطنز إلى أحد أكثر المواقع إثارة للجدل في الملف النووي الإيراني، وأصبح اسمه يتردد في تقارير الاستخبارات الغربية أكثر من أي وقت مضى.

وتقول صحيفة وول ستريت جورنال إن مسؤولين أميركيين يخشون أن تكون طهران قد نقلت إلى هذا المجمع الجبلي أجزاء من برنامجها النووي يصعب استهدافها، بينما تؤكد إيران أن الاتهامات لا تستند إلى أي دليل، وتحذر من أن أي هجوم على الموقع سيقود إلى "رد مدمر". وبين الروايتين، يبقى ما يجري داخل كلنك كزلا أحد أكبر ألغاز البرنامج النووي الإيراني.

منشأة ولدت من رماد نطنز

لم يظهر اسم كلنك كزلا إلى العلن إلا بعد الانفجار الذي دمر مركز تجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز صيف عام 2020، في عملية نسبت على نطاق واسع إلى إسرائيل. وأدركت طهران حينها أن المنشآت المقامة فوق سطح الأرض أصبحت أهدافا سهلة، فبدأت البحث عن بديل أكثر تحصينا.

وبعد أشهر، أعلن المندوب الإيراني لدى المنظمات الدولية آنذاك كاظم غريب آبادي أن بلاده ستبني منشأة أكثر تطورا داخل الجبال لتعويض المنشأة المتضررة، قبل أن يؤكد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك علي أكبر صالحي أن "القاعات الحساسة" ستنقل إلى "قلب الجبل". لاحقا، حددت نيويورك تايمز الموقع بأنه جبل كلنك كزلا الواقع على بعد نحو 1.5 كيلومتر من منشأة نطنز.

ويبلغ ارتفاع الجبل أكثر من 1600 متر، لكن أهميته لا تكمن في ارتفاعه، بل في أن المجمع شُيد، بحسب تقديرات غربية، على عمق يتراوح بين 80 و100 متر داخل صخور الغرانيت، وهي طبقة صلبة تجعل استهدافه أكثر تعقيدا من منشأتي نطنز وفوردو.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الغموض.. جزء من استراتيجية الردع

وبحسب تقرير نشره موقع إيران واير، تدور التقديرات حول ثلاثة احتمالات رئيسية: نقل خطوط تجميع أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى الموقع، أو استخدامه في الأنشطة المتعلقة بمعدن اليورانيوم، أو تحويله إلى منشأة سرية جديدة لتخصيب اليورانيوم.

لكن ما يزيد من حساسية الملف أن الموقع لم يخضع قط لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أظهرت صور أقمار صناعية نشرها معهد العلوم والأمن الدولي استمرار أعمال الحفر وصب الخرسانة وتعزيز مداخل الأنفاق، في مؤشر على أن المشروع لا يزال يتوسع.

ويكتسب هذا الغموض أهمية إضافية بعد إعلان رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي في يونيو 2025 إنشاء "مركز تخصيب ثالث" في موقع "آمن ومنيع"، من دون الكشف عن مكانه، وهو ما دفع عددا من الخبراء إلى الاعتقاد بأن المقصود هو كلنك كزلا.

ورغم ذلك، لا توجد أدلة علنية تثبت أن المجمع بدأ بالفعل عمليات تخصيب اليورانيوم، وهو ما يجعل كثيرا من الاستنتاجات الغربية قائمة على صور الأقمار الصناعية وتحليل النشاط الهندسي أكثر من اعتمادها على معلومات مؤكدة.

لماذا يثير قلق واشنطن؟

لا تنبع أهمية كلنك كزلا من احتمال احتوائه على مواد نووية فقط، وإنما من تصميمه الذي قد يجعله أحد أكثر المواقع العسكرية تحصينا في العالم.

فبحسب تقديرات عسكرية، فإن العمق الكبير للمجمع وطبيعة الصخور المحيطة به قد يقللان بصورة كبيرة من فعالية القنبلة الأميركية الخارقة للتحصينات GBU-57، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى دراسة تطوير ذخائر أكثر قدرة على اختراق التحصينات العميقة.

ولهذا، يرى محللون أن أي هجوم أميركي لن يركز على تدمير القاعات الداخلية، بل على استهداف مداخل الأنفاق وأنظمة التهوية وشبكات الكهرباء، بهدف عزل المجمع وتعطيل استخدامه.

وتنسجم هذه القراءة مع تصريحات ترامب، الذي قال إن كلنك كزلا قد يتعرض لضربة "قوية عند مدخل المنشأة"، في إشارة إلى إدراك واشنطن لصعوبة الوصول إلى أعماق الموقع.

وفي المقابل، حذر مصدر أمني إيراني شبكة CNN من أن استهداف الجبل سيقابل بـ"رد مدمر"، بينما وصف مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني، الموقع بأنه "أكثر المنشآت النووية تحصينا في العالم"، مؤكدا أن أي هجوم عليه سيحول المنطقة إلى "جحيم".

ويشير تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أعمال البناء في كلنك كزلا توسعت بصورة ملحوظة بعد الحرب الأخيرة، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن الموقع يمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لطهران.