منذ اغتيال مرشد إيران، علي خامنئي، في الضربة الأميركية الإسرائيلية التي استهدفته في فبراير 2026، لم يعد السؤال المطروح يتعلق فقط بمن يخلفه، بل بمن يحكم إيران فعليا. مع تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى، بدأت مؤشرات عدة توحي بأن مركز الثقل داخل النظام لم يعد في مكتب المرشد كما كان طوال العقود الماضية، وإنما انتقل تدريجيا إلى الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية.
وتتقاطع تقارير وتحليلات عدة، أبرزها مقابلة الخبير في الشأن الإيراني علي واعظ مع صحيفة لوتان، مع تحليل الباحث حميد رضا عزيزي في مجلة تايم، إضافة إلى تقرير نشرته جيروزاليم بوست، حول حقيقة أن النظام الإيراني دخل مرحلة جديدة تقوم على القيادة الجماعية للمؤسسة الأمنية، بينما تحول المرشد الأعلى إلى واجهة تمنح الشرعية أكثر من كونه صاحب القرار النهائي.
الحرب غيرت هرم السلطة داخل النظام الإيراني
يرى مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ أنّ الحرب الأخيرة "قلبت ميزان القوى في طهران"، مؤكّدا أنّ المرشد الأعلى "لم يعد سيد اللعبة، وأنّ الحرس الثوري أصبح صاحب اليد العليا".
ويقول في حديثه لصحيفة لوتان إن النظام لم يعد يشبه ذلك النموذج الذي كان يجلس فيه المرشد على قمة هرم السلطة بوصفه الحكم النهائي بين مختلف المؤسسات.
ويضيف واعظ أن الحرب وضعت قادة الحرس الثوري في مستوى مساو للمرشد، بل ربما أعلى منه في بعض الملفات، مشيرا إلى أن مجتبى خامنئي أصبح "الأول بين متساوين"، وأن نفوذه يعتمد على دعم المؤسسة العسكرية التي ضمنت بقاء النظام بعد الحرب.
وبحسب قوله، فإن الحرس الثوري يرى في المرشد الحالي عنصر تماسك يمنح النظام شرعية دينية، لكنه لم يعد يحتكر صناعة القرار كما كان الحال مع والده.
ويعزز الباحث حميد رضا عزيزي هذه القراءة في مقاله بمجلة تايم، إذ يؤكّد أن السلطة بعد الحرب أصبحت أكثر تركيزا داخل "النواة العسكرية الأمنية"، التي تضمّ الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي وشخصيات سياسية ترتبط بالمؤسسة الأمنية.
ويشير إلى أن مؤسسات الدولة المدنية، مثل الرئاسة ووزارة الخارجية، ما زالت قائمة، لكنها لم تعد مراكز مستقلة لصنع القرار، وإنما تنفذ سياسات يتم الاتفاق عليها داخل الدائرة الأمنية.
المرشد يمنح الشرعية والحرس الثوري يصنع القرار
يذهب تحليل مجلة تايم إلى أن الفارق الأساسي بين مرحلة علي خامنئي ومرحلة نجله مجتبى يتمثل في أن الأول كان يمتلك الكلمة الأخيرة في جميع الملفات الاستراتيجية، بينما أصبح الثاني جزءا من عملية توافق بين كبار المسؤولين الأمنيين، وليس المرجع الوحيد للقرار.
ويكتب حميد رضا عزيزي أن "مجتبى خامنئي ليس مرشدا أعلى بالمعنى التقليدي، بل هو صوت داخل عملية جماعية لصناعة القرار بين النخبة الأمنية".
ويشير المقال إلى صعود شخصيات ذات خلفية عسكرية مثل محمد باقر قاليباف، الذي لا يستمدّ نفوذه من موقعه رئيسا للبرلمان، بل من علاقاته العميقة داخل المؤسسة الأمنية، إلى جانب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، وقادة كبار في الحرس الثوري، الذين أصبحوا يشكلون مركز القرار الحقيقي في ملفات الحرب والتفاوض والتصعيد.
وتنقل صحيفة جيروزاليم بوست آراء تعتبر أنّ إيران باتت تدار عبر ٤ مراكز قوة متداخلة، وأنّ الحرس الثوري يمارس السيطرة على القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع الإبقاء على المؤسسة الدينية كغطاء يمنح النظام شرعية داخلية وخارجية. ويضيف التقرير أنّ مجتبى خامنئي يفتقر إلى المكانة الدينية والشعبية التي تمتع بها والده، ولم يثبت بعد امتلاكه سلطة مستقلة.
وينقل التقرير أيضًا أنّ كثيرين يرون أنّ النفوذ الحقيقي يتركز لدى ٣ من كبار قادة الحرس الثوري، هم أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر ومحسن رضائي، الذين يملكون تأثيرا مباشرا على القرارات الاستراتيجية للدولة.
صراع داخل المعسكر المحافظ وليس بين المدنيين والعسكريين
رغم الحديث عن صعود الحرس الثوري، يحذّر الباحث حميد رضا عزيزي من تبسيط المشهد عبر تصويره كصراع بين الحكومة المدنية والعسكريين، مؤكدا أن الانقسام الحقيقي يدور داخل المعسكر المحافظ نفسه. فهناك تيار أمني براغماتي يرى أنّ التفاوض يمكن أن يكون أداة لخدمة أهداف الدولة، في مقابل تيار عقائدي أكثر تشددا يرفض أي تنازل ويعتبر أي مرونة أمام الولايات المتحدة علامة ضعف.
ويشير إلى أن الانتقادات التي تعرض لها وزير الخارجية عباس عراقجي بعد حديثه عن إعادة فتح مضيق هرمز لم تكن بسبب التفاوض بحد ذاته، وإنما بسبب الطريقة التي قدم بها الرسالة، إذ اعتبرها المتشددون إشارة إلى التراجع أمام الضغوط الأميركية. كما يلفت إلى أن وسائل الإعلام الرسمية والبرلمان يخضعان بدرجة كبيرة لتيار "جبهة الصمود" المتشدد، الذي يملك قدرة كبيرة على الضغط السياسي حتى وإن لم يكن صاحب القرار النهائي في ملفات الحرب والسلام.
وتتفق صحيفة لوتان مع هذا التقييم، إذ ينقل علي واعظ أنّ النظام خرج من الحرب أكثر تماسكا على مستوى القيادة الأمنية، لكنه بقي نظاما مغلقا لا يسمح بمشاركة التيارات الإصلاحية أو المعتدلة. ويستشهد بغياب جميع الرؤساء الإصلاحيين السابقين عن مراسم تشييع علي خامنئي باعتباره دليلا على استمرار احتكار السلطة داخل الدائرة الضيقة للنظام.
كما يثير غياب مجتبى خامنئي عن جنازة والده تساؤلات حول قدرته على تجسيد موقع مرشد إيران، ويقول واعظ إن استمرار اختفائه عن الأنظار "لا يمكن أن يستمرّ طويلا"، لأن المرشد في العقيدة السياسية الإيرانية يجب أن يكون حاضرا أمام الجمهور وليس شخصية غامضة.
وفي المقابل، ترى جيروزاليم بوست أن الصراع داخل النظام لم يحسم بعد بصورة نهائية، وأن الحرس الثوري عزز نفوذه إلى مستوى غير مسبوق، لكنه ما زال يعمل على تثبيت سيطرته الكاملة، بينما يحتفظ مرشد إيران بسلطات قانونية تمنحه دور الحكم، وإن كانت ممارستها أصبحت أكثر هشاشة مما كانت عليه في السابق.





