في الظاهر، تحاول إيران إظهار جبهة موحّدة في مواجهة الولايات المتحدة بعد حرب هزّت مراكز القرار داخل طهران. لكن خلف هذه الصورة، تكشف الانقسامات التي عادت إلى البرلمان والإعلام الرسمي سؤالًا أكثر حساسية من مصير المحادثات نفسها، من يملك قرار التفاوض مع واشنطن، وهل يستطيع النظام ضبط خلافاته الداخلية في لحظة يرتبط فيها وقف النار بمضيق هرمز والبرنامج النووي؟
بحسب فايننشال تايمز، فإن الفصائل المتنافسة داخل إيران توحّدت خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية، في مشهد نادر، حول النظام الذي اعتبر المعركة وجودية.
غير أنّ الأسابيع الـ٣ التي تلت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ أعادت الانقسامات القديمة إلى الواجهة، خاصة حول الخطوة التالية التي يجب أن تتخذها طهران.

قاليباف في مرمى المتشددين
في قلب الخلاف يقف مسعى من أكثر السياسيين تشددًا في إيران لمعارضة التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي. والهدف الأبرز هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، الذي قاد محادثات مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في باكستان في وقت سابق من هذا الشهر.
سياسيون مرتبطون بجبهة "بايداري"، وهي فصيل متشدد نافذ، ألمحوا إلى أن المفاوضين لم يلتزموا بالكامل بتوجيهات مرشد إيران الجديد مجتبى خامنئي.
وقال النائب محمود نبويان، القريب من الجبهة والذي رافق فريق التفاوض الإيراني إلى باكستان، إن "المفاوضات الآن ضرر خالص"، معتبرًا أن إدراج البرنامج النووي في المحادثات "خطأ استراتيجي".
ورغم ذلك، أصدر 261 نائبًا من أصل 290 بيانًا يدعم قاليباف وبقية المفاوضين. لكن غياب أعضاء بارزين في "بايداري" عن قائمة الموقّعين أبقى صورة الانقسام قائمة داخل البرلمان.
خامنئي غائب.. والغموض يكبر
يزداد المشهد تعقيدًا مع غياب خامنئي عن الظهور العلني منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، على خلفية إصابات يُقال إنه تعرض لها خلال الضربات التي قتلت والده، مرشد إيران السابق علي خامنئي، وفق فايننشال تايمز.
هذا الغياب زاد حالة الغموض داخل النظام، خاصة بعد اغتيال شخصيات رفيعة كانت تملك خبرة طويلة في إدارة الصراعات الداخلية. ونقلت الصحيفة عن "نور نيوز"، المرتبطة بالمؤسسات الأمنية، قولها إن إيران تمر "ربما بأكثر الأوقات حساسية في تاريخها"، مشددة على ضرورة وجود "صوت واحد".
لكن ترامب استغل هذا الغموض، معتبرًا أن هناك "اقتتالًا داخليًا هائلًا وارتباكًا داخل قيادة إيران".
وردّ قاليباف والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية برسائل متشابهة على منصة إكس، قالوا فيها: "في إيراننا، لا يوجد متشددون أو معتدلون".
هرمز والنووي يعطلان الطريق
الخلاف الداخلي يتقاطع مع تعثر المسار التفاوضي. فقد انهارت جولة ثانية كانت مخططة في باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما أصرت إيران على أن ترفع الولايات المتحدة حصارها عن موانئها قبل أي محادثات.
وبحسب نيويورك تايمز، ألغى ترامب سفر ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، وقال إن الإيرانيين يمكنهم التفاوض عبر الهاتف، مضيفًا: "لدينا كل الأوراق".
واعتبر أن إيران قدمت عرضًا جديدًا "أفضل بكثير"، لكنه "ليس بما يكفي".
أما سي إن إن فنقلت عن مصادر أن ترامب لا يبدو منفتحًا على أحدث مقترح إيراني، لأنه يعيد فتح مضيق هرمز ويترك أسئلة البرنامج النووي لمفاوضات لاحقة. ويرى مسؤولون أميركيون أن فتح المضيق من دون حلّ مسائل التخصيب ومخزون اليورانيوم قد يسحب من واشنطن ورقة ضغط أساسية.
وحدة معلنة أم صراع مضبوط؟
حتى الآن، يتمسك المسؤولون الإيرانيون بمطالبهم، رفع الحصار عن المضيق، قدرة إيران على فرض رسوم على حركة الشحن، الاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، وعدم نقل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة.
في المقابل، يحاول قادة إيران نفي وجود صراع على السلطة، مؤكدين أن مراكز القوة، بما فيها الحرس الثوري، تعمل بتنسيق.
لكن استمرار هجوم "بايداري" على مسار التفاوض يضع النظام أمام اختبار داخلي بقدر ما يواجه اختبارًا خارجيًا مع واشنطن.





