حتى دفن والده لم يدفع مجتبى خامنئي إلى الظهور. فمنذ تعيينه مرشدا لإيران في 8 مارس، لم تُنشر له صورة جديدة أو رسالة صوتية، فيما تقول مصادر إن إصاباته والمخاوف الأمنية تمنعانه من الحضور العلني.

لكن الغياب لم يعد مسألة صحية وأمنية فحسب. في وقت تحاول طهران إبقاء باب التفاوض مع الولايات المتحدة مفتوحا عبر باكستان، أبلغ الجانب الإيراني الوسيط بأنه غير متأكد من كيفية تصرف الفصائل المتشددة داخل البلاد، وفق مصادر نقلت عنها وكالة الأنباء الألمانية ب أ".

هذا التزامن يطرح سؤالا بشأن قدرة مجتبى على توحيد القرار الإيراني، هل يتحول غيابه إلى مساحة تتوسع فيها التباينات بين جهات تريد مواصلة التفاوض وأخرى لا يزال سلوكها غير مضمون؟

غياب يتجاوز الإصابة

بحسب رويترز، غاب مجتبى عن المراسم الرئيسية لتشييع والده علي خامنئي، ولم يشارك حتى برسالة مكتوبة أو تسجيل مصور، رغم تكهنات سابقة بأن الدفن قد يشكل أول ظهور له منذ توليه المنصب.

وقالت مصادر رفيعة للوكالة إن مجتبى تعرّض لتشوهات في الوجه وإصابات أخرى خلال الهجوم الذي قتل والده في نهاية فبراير. وأضافت أنّه لا يزال يتخذ القرارات، لكن حالته الصحية لا تسمح له بالظهور علنا.

وأرجعت المصادر استمرار اختفائه إلى إصاباته والمخاطر الأمنية، خصوصا بعد اغتيال والده في اليوم الأول من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وكان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، قد قال في مايو إنه التقى مجتبى وإن حالته تتحسن.

إلا أنّ رويترز أشارت إلى أنّ منصب مرشد إيران، بما يحمله من سلطة سياسية ودينية، يتطلب حضورا يوحي بالقدرة على قيادة البلاد. كما نقلت عن إيرانيين قلقهم من استمرار غياب رأس السلطة خلال مرحلة أمنية واقتصادية مضطربة.

وقال أستاذ التاريخ الحديث علي أنصاري للوكالة إن غياب الخليفة يجعل انتقال الحكم مشكلة بالنسبة للنظام، حتى إن تمكن من تجاوزها مؤقتا.

طهران تفاوض وتترقب المتشددين

يتزامن الغموض المحيط بمجتبى مع تحرّك إيراني جديد باتجاه التفاوض. وقالت مصادر مطلعة في إسلام آباد لـ"د ب أ" إن طهران طلبت من باكستان إبلاغ الولايات المتحدة باستعدادها للعودة إلى المحادثات، رغم الهجمات الأميركية الأخيرة على أهداف داخل إيران.

وبحسب المصادر، جرت الاتصالات عبر قنوات متعددة، فيما استمر اجتماع بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والقائد العسكري الباكستاني عاصم منير حتى وقت متأخر من الليل.

لكن أبرز ما كشفته المصادر كان تعبير الجانب الإيراني عن عدم يقينه بشأن كيفية تصرف الفصائل المتشددة داخل البلاد. ولم تحدد ب أ" هوية هذه الفصائل أو موقفها من المفاوضات.

وفي المقابل، قال مسؤول حكومي للوكالة إن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالتوصل إلى حل وإن المحادثات الفنية مستمرة.

ويضع ذلك طهران أمام مسارين متزامنين: محاولة إعادة فتح القناة الدبلوماسية مع واشنطن، والقلق من سلوك جهات داخلية لا تضمن السلطة اتجاهها في المرحلة المقبلة.

هل يستطيع مجتبى توحيد القرار؟

تكمن حساسية هذه المرحلة في أن مجتبى لا يمتلك، وفق رويترز، المؤهلات الدينية أو القاعدة السياسية المستقلة التي تمتع بها والده.

فقد أدار سابقا مكتب خامنئي وشبكة علاقاته، وبنى صلات وثيقة بالحرس الثوري الذي دعم وصوله إلى المنصب.

لكن آراءه وحدود سلطته وقدرته على إدارة التوازنات داخل النظام لا تزال مجهولة، فيما لا يظهر علنا لإثبات أنّه يمسك بالقرار.

وبالتوازي، دعت باكستان إيران إلى ضبط النفس والحوار والحفاظ على "مكتسبات السلام التي تحققت بصعوبة" خلال الأشهر الماضية.

وقال رئيس الوزراء شهباز شريف، عقب اتصال مع بزشكيان، إن إسلام آباد مستعدة لمواصلة وساطتها من أجل سلام إقليمي مستدام، وفق فرانس برس.

وتكشف التقارير قيادة غائبة، ومسارا دبلوماسيا هشا، وقلقا إيرانيا من جهات قد لا تتحرك بالاتجاه نفسه. فاختبار مجتبى أكبر من مجرد الظهور، هو اختبار إثبات قدرته على توحيد القرار ومنع التباينات الداخلية من التحول إلى صراع مفتوح.