على مدى أكثر من ٤ عقود، ارتبطت فكرة التغيير في إيران، لدى كثير من المعارضين، برحيل مرشد إيران علي خامنئي. فقد كان يُنظر إليه باعتباره الركيزة الأساسية التي يستند إليها النظام، والرجل الذي نجح في الحفاظ على تماسك النظام رغم العقوبات، والأزمات الاقتصادية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة.

لكن مقتل خامنئي، في أعقاب الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، لم تفتح الباب أمام انهيار النظام كما توقع البعض، بل أفرزت واقعا أكثر تعقيدا، يشعر فيه جزء من المعارضة بأنّ فرصة تاريخية للتغيير قد ضاعت، بينما يرى آخرون أنّ ما جرى قد يكون بداية تحولات أعمق لم تتضح ملامحها بعد.

فبعد أسابيع من الحرب، لم يعد الحديث يدور حول سقوط النظام، بل حول قدرته على إعادة إنتاج نفسه. فمجتبى خامنئي تولى منصب المرشد الأعلى، والأجهزة الأمنية استعادت انتشارها، فيما عاد الهدوء النسبي إلى المدن الإيرانية. أمّا المعارضة، التي كانت تعول على أن تؤدي الحرب إلى إضعاف السلطة وفتح المجال أمام انتفاضة شعبية، فتبدو اليوم أمام معادلة أكثر صعوبة، خاصة مع تصاعد حملة الاعتقالات والإعدامات وتشديد الرقابة الأمنية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

رهانات لم تتحقق؟.. وفراغ سياسي مهم

صحيفة إل كونفيدنسيال الإسبانية عادت بعد انتهاء الحرب للتواصل مع عدد من الناشطات والناشطين الإيرانيين الذين سبق أن تحدثوا إليها خلال الاحتجاجات والحرب. وتكشف شهاداتهم أن المزاج داخل المعارضة لم يعد موحدا كما كان، بل بات يتأرجح بين الإحباط والحذر، وبين الاعتقاد بأن النظام خرج أكثر قوة، والرهان على أن الصراع الحقيقي لم يبدأ بعد.

إحدى الناشطات من طهران، التي أشارت إليها الصحيفة بالحرف "م" حفاظا على هويتها، ترى أن اختزال نتائج الحرب في بقاء النظام أو سقوطه لا يعكس الصورة كاملة. وتقول لـ إل كونفيدنسيال إن وفاة خامنئي أحدثت "شرخا داخل النظام"، مضيفة أن مقتل علي لاريجاني، الذي تصفه بأنه كان "الجسر مع الصين"، ترك فراغا سياسيا مهما. وبرأيها، فإن الخلافات داخل أجنحة السلطة أصبحت أكثر وضوحا، بينما أصبح الإيرانيون "أكثر توحدا"، حتى وإن لم تظهر نتائج ذلك في الشارع حتى الآن.

لكن هذه القراءة لا تلغي حقيقة أنّ النظام تمكن، في المدى القصير، من استعادة زمام المبادرة. فبدلا من أن تتحول الحرب إلى لحظة انهيار، استغلها لتشديد قبضته الأمنية، مستفيدا من أجواء التعبئة الوطنية التي غالبا ما ترافق الحروب الخارجية. ويبدو أن الخوف، الذي لطالما شكّل أحد أهم أدوات السلطة، عاد ليحتل موقعه في الحياة اليومية للإيرانيين.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتصف ناشطة أخرى من مدينة كرج هذا الواقع بقولها إن المشهد يختلف من حي إلى آخر. ففي بعض المناطق تظهر نساء من دون حجاب، ما يوحي بوجود هامش من الحرية، لكن ذلك لا يعني تغييرا حقيقيا، لأن القوانين لم تتبدل، ويمكن توقيف أي شخص في أي لحظة. وتضيف أن عناصر الباسيج باتوا أكثر حضورا في الشوارع، بل إن كثيرا من نقاط التفتيش الليلية يديرها شبان تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما يحملون السلاح ويوقفون السيارات ويفتشون المارة.

وتكشف هذه الشهادة أن النظام لم يكتف بإعادة انتشار أجهزته الأمنية، بل وسع أيضا أدوات الرقابة المجتمعية، معتمدا على الباسيج، الذين لعبوا الدور نفسه خلال احتجاجات الأعوام الماضية، حين استخدمت السلطة مواطنين موالين لها لمراقبة المواطنين وقمع الاحتجاجات.

قبضة أمنية ورقابة رقمية

لكن السيطرة لم تعد تقتصر على الشارع. فبحسب الشهادات التي جمعتها إل كونفيدنسيال، أصبحت الحرب على الفضاء الرقمي أكثر شراسة من أي وقت مضى.

تقول ناشطة من طهران للصحيفة إن السلطات تراقب حسابات الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة مستمرة، وترسل رسائل نصية تهديدية لكل من ينشر محتوى معارضا. وتضيف أن والدة إحدى صديقاتها تلقت استدعاء قضائيا فقط لأن ابنتها شاركت منشورات على إنستغرام تنتقد الأوضاع الاقتصادية، مشيرة إلى أن مجرد كتابة تعليق معارض قد يؤدي إلى اتهام صاحبه بقيادة الاحتجاجات واعتقاله.

ولا يقتصر هذا التشدد، بحسب مراقبين، على الإجراءات الأمنية اليومية، بل يعكس إرثا مؤسسيا بناه خامنئي على مدى عقود. وينقل موقع إيران واير عن خبير بارز في تكنولوجيا المعلومات، فضل عدم الكشف عن هويته، قوله إن خامنئي لم يورث خلفه منصبا فحسب، بل ترك منظومة متكاملة للسيطرة الرقمية، إلى جانب مؤسسات عسكرية ودينية واقتصادية أصبحت أكثر بيروقراطية وتنظيما، بما يجعلها قادرة على الاستمرار حتى في غياب الشخصية التي كانت تتصدر هرم السلطة.

ويضيف أن السؤال الذي يطرحه كثير من الإيرانيين اليوم هو: لماذا لا يخرج الناس إلى الشوارع رغم أن أسعار الخبز ارتفعت بنحو 300٪؟ وهي ظروف يرى علماء الاجتماع أنها كفيلة بإشعال احتجاجات واسعة. ويجيب بأن شبكة السيطرة التي بناها النظام، سواء عبر الأجهزة الأمنية أو الرقابة الرقمية أو المؤسسات البيروقراطية، ما زالت حتى الآن قادرة على احتواء الغضب الشعبي ومنع تحوله إلى انتفاضة واسعة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الاقتصاد.. التهديد الذي يخشاه النظام

ورغم التركيز على الحجاب والحريات، فإن الناشطات والناشطين الذين تحدثوا إلى الصحيفة يعتبرون أن الاقتصاد لا يزال القضية الأكثر حساسية بالنسبة للإيرانيين. فالأزمة المعيشية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، هي العوامل التي يمكن أن تدفع أعدادا أكبر من المواطنين إلى الاحتجاج.

ويقول الناشط الإيراني "س" إن الأسعار ترتفع بشكل يومي، بينما اضطر كثير من الشباب إلى العودة للعيش مع عائلاتهم لأنهم لم يعودوا قادرين على دفع الإيجارات. ويضيف أن الفقر أصبح القاسم المشترك بين شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما يجعل الاحتجاجات المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية أخطر على النظام من القضايا الاجتماعية أو الثقافية.

وهذه الفكرة تعيد إلى الأذهان موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، حين خرجت التظاهرات بسبب الغلاء والبطالة قبل أن تتحول إلى مطالب سياسية. ولذلك، يرى كثير من المعارضين أن "الأواني الفارغة"، كما تقول إل كونفيدنسيال، قد تكون أكثر قدرة على تحريك الشارع من قضية الحجاب نفسها.

وفي الوقت نفسه، لم تتوقف الإعدامات. تقول الناشطة "م" إن السلطات لم تعد تحاول إخفاء تنفيذ أحكام الإعدام كما كانت تفعل في السابق، بل أصبحت تعلن عنها بصورة متزايدة. وتشير إلى أن أكثر من 50 شخصا أعدموا منذ بداية يونيو، بحسب ما نقلته إل كونفيدنسيال. كما تتحدث عن تزايد حالات اعتقال أفراد عائلات ضحايا الاحتجاجات عندما يطالبون بكشف ملابسات مقتل أبنائهم.

أما الناشط "ز"، فيصف المشهد الأكثر قسوة، قائلا إن السجون أصبحت مكتظة، وإن عائلات كثيرة تذهب لزيارة أبنائها، لتبلغ بعد صلاة الفجر بأنهم أعدموا قبل وصولها إلى السجن. وبالنسبة له، فإن هذا الخوف هو السلاح الحقيقي الذي مكّن النظام من البقاء طوال العقود الماضية.

ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يخلو المشهد من مؤشرات يراها بعض المعارضين إيجابية. فالناشطة "ج"، البالغة من العمر 48 عاما، تؤكد لـ إل كونفيدنسيال أن الأجيال الجديدة "أكثر شجاعة" من الأجيال السابقة، وأن الخوف لم يعد مطلقا كما كان، حتى وإن بقي عاملا مؤثرا في حياة الإيرانيين.