في جنازة أرادتها طهران عرضا للوحدة بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، برز الغياب أكثر من الحضور. فبينما سار الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية، وكبار جنرالات الحرس الثوري جنبا إلى جنب في مراسم تشييع، علي خامنئي، كان الغائب الأبرز هو المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علنا منذ تعيينه في مارس.
وبحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز"، فإن هذا الغياب لم يطرح فقط سؤالا أمنيا بشأن مكان وجوده، بل فتح نقاشا أوسع داخل الأوساط السياسية الإيرانية، من يدير البلاد فعليا؟ وما الجناح الذي سيمنحه مجتبى خامنئي النفوذ داخل النظام؟
أراد الدفن.. فمنعه الأمن
تنقل "نيويورك تايمز" عن عضوين في الحرس الثوري وشخص مشارك في ترتيبات الجنازة أن مجتبى خامنئي أبلغ مسؤولين بأنه يريد المشاركة في مراسم دفن والده في مشهد، المقررة في 9 يوليو، وأن يتلو صلاة الميت على الجثمان.
لكن المسؤولين الأمنيين رفضوا الفكرة حتى الآن، وفق التقرير، خشية أن تحاول إسرائيل اغتياله خلال المراسم، أو تتبع تحركاته وصولا إلى مكان اختبائه.
غيابه لم يكن تفصيلا بروتوكوليا. فقد جاء بعد أسابيع من سجال علني شرس داخل النظام حول التفاوض مع واشنطن، تبادل خلاله مسؤولون وشخصيات سياسية اتهامات بالوهم والخيانة والتخطيط لانقلاب، وبعصيان المرشد الجديد أو التلاعب به.
المحافظون ينقسمون على واشنطن
تقول "نيويورك تايمز" إن الانقسام لم يعد بين محافظين وإصلاحيين كما في السابق، بل داخل التيار المحافظ نفسه.
جناح يصف نفسه بالبراغماتي يرى أن بقاء النظام يتطلب إنهاء العداء مع الولايات المتحدة وفتح الاقتصاد.
وجناح متشدد يرفض أي تنازل لواشنطن، خصوصا في الملف النووي، ويرى أن إيران تستطيع الصمود عبر إطالة الحرب.
وبحسب التقرير، فإن الجناح البراغماتي، الذي يضم كبار جنرالات الحرس الثوري، وقاليباف، وبزشكيان، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، اكتسب اليد العليا حتى الآن. فقد دفع باتجاه قبول وقف إطلاق النار، والتفاوض مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وتوقيع اتفاق مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.
في المقابل، صعّد المتشددون هجماتهم. فقُطع بث مباشر لقاليباف بينما كان يشرح تفاصيل وقف النار، وتعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات "الموت للمهادنين" خلال زيارة إلى مرقد شيعي في العراق، فيما دعا محافظون في تجمعات بطهران إلى محاكمة المفاوضين أو إعدامهم.

بزشكيان يلوّح بالاستقالة
أخطر ما يكشفه التقرير يتعلّق بلحظة حسم وقف إطلاق النار. فخلال المرحلة النهائية من المحادثات، وبينما كان مجتبى خامنئي مترددا في الموافقة على الاتفاق الأولي، زاره بزشكيان وأبلغه بأن الوضع الاقتصادي خطير، وأن الحصار البحري الأميركي يشلّ إيران، وأنّه سيستقيل إذا رفض الاتفاق، وفق ٤ مسؤولين إيرانيين نقلت عنهم الصحيفة.
كما كتب رئيس البنك المركزي، عبد الناصر همتي، رسالة إلى خامنئي حذّر فيها من أزمة موازنة حادّة، ومن أنّ الإمدادات الغذائية والطبية الحيوية ستنفد بحلول نهاية أغسطس إذا استمرّ الحصار البحري. وأوضحت الرسالة، وفق التقرير، أن إيران عاجزة عن بيع نفطها أو إيجاد طرق تجارية بديلة بالحجم المطلوب.
هذه الضغوط كانت حاسمة في قرار مجتبى دعم الاتفاق. فقد أعلن أنه يعارضه "من حيث المبدأ"، لكنه وجّه الرئيس إلى المضي إذا أيده المجلس الأعلى للأمن القومي. وقال بزشكيان إن المجلس صوّت لصالح الاتفاق بأغلبية 12 من أصل 13.

التعيينات ستكشف الاتجاه
بعد الجنازة، ينتظر مجتبى اختبار داخلي جديد، تعيين قادة السلطة القضائية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، وقوات الباسيج، ورئيس مكتبه. وبحسب مسؤولين إيرانيين نقلت عنهم "نيويورك تايمز"، ستكشف هذه القرارات أي جناح يفضله المرشد الجديد، البراغماتيون الذين ساعدوا في صعوده، أم المتشددون الذين دعموا مرشحا آخر.





