في الوقت الذي ما زالت فيه الخطط الدولية تتحدث عن إعادة إعمار غزة وتحويلها إلى نموذج عمراني جديد، يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم أمام واقع مختلف تماما.

بدلا من الإسمنت والحديد، بات الطين والركام مواد البناء الوحيدة المتاحة لسكان يحاولون الخروج من حياة الخيام.

ويأتي ذلك بالتزامن مع جدل متصاعد حول مسودة مسربة لخطة "مجلس السلام" الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة القطاع، والتي تتضمن منح المجلس وأعضائه حصانة قانونية واسعة وصلاحيات استثنائية، ما يثير تساؤلات بشأن شكل الإدارة المستقبلية لغزة وآليات مساءلتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

واقع الإعمار.. الطين يحل محل الإسمنت

بحسب صحيفة فايننشال تايمز، لجأ فلسطينيون في قطاع غزة إلى بناء مساكن من الطين بعد عامين من العيش في الخيام، في ظل استمرار الدمار الواسع ومنع دخول مواد البناء الأساسية مثل الإسمنت والحديد والزجاج والأنابيب.

يقول جعفر عطا الله، وهو خزاف فلسطيني، إنه استخرج الطين من أرض غزة وصنع بمساعدة أفراد من عائلته وأصدقائه منزلا مقببا باستخدام قوالب طينية، معتبرا أن هذا الحل وفر حماية أفضل بكثير من الخيام التي لا تقاوم حرارة الصيف أو الأمطار.

وأضاف عطا الله أن الطين يتميز بأنه مادة محلية لا تخضع لقيود المعابر، قائلا إن "الاحتلال" لا يستطيع التحكم في هذه المادة لأنها جزء من أرض غزة نفسها. كما ابتكر طبقة عازلة للماء لحماية القوالب الطينية من الرطوبة.

الركام يتحول إلى مواد بناء

ولا تقتصر محاولات السكان على استخدام الطين، إذ تشير فايننشال تايمز إلى أن كثيرين يعيدون تدوير أنقاض المباني المدمرة، بما في ذلك الحديد والأسمنت المتبقي، لإنتاج طوب يستخدم في بناء الجدران أو إصلاح المساكن المتضررة.

وتنقل الصحيفة عن الشقيقتين تالا وفرح موسى، اللتين حصلتا على جائزة من مؤسسة Earth Foundation السويسرية، أنهما طورتا طريقة لإنتاج طوب من الركام عبر طحن الخرسانة وخلطها بالماء والطين والرماد والزجاج المطحون، وتطمحان إلى إنشاء ورش لتعليم هذه التقنية لسكان آخرين.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لكن إياد أبو حمام، منسق مجموعة المأوى في المجلس النرويجي للاجئين في غزة، يؤكد أن هذه الحلول تبقى مؤقتة، موضحا أن الخرسانة المعاد تدويرها لا تحقق الصلابة المطلوبة للبناء، وأن غياب الإسمنت يجعل إعادة تأهيل المنازل بشكل حقيقي أمرا مستحيلا في الوقت الحالي.

بين مشاريع الرفاهية وواقع الخيام

في المقابل، يكشف تقرير لصحيفة الغارديان عن مسودة داخلية لـ"مجلس السلام" المدعوم من إدارة ترامب، وهو الهيئة المكلفة بإدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، تتضمن منح المجلس وأعضائه والعاملين معه حصانة قانونية واسعة من أي توقيف أو ملاحقة أو إجراءات قضائية داخل غزة، إضافة إلى منح المجلس حق استخدام مرافق وأملاك عامة في القطاع من دون مقابل.

وتشير المسودة أيضا إلى أن المجلس يعتزم إنشاء قواعد لوجستية وقاعدة لقوة دولية ضمن خطة إعادة الإعمار ونزع سلاح حركة حماس، بينما سبق أن تحدث جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، عن رؤية لتحويل غزة إلى منطقة تضم منتجعات فاخرة ومدنا عالية التقنية ومراكز أعمال إقليمية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

جدل قانوني وتحذيرات من غياب المساءلة

أثارت المسودة المسربة انتقادات واسعة بين خبراء القانون الدولي، إذ قالت الخبيرة إيميلي شيفر أومر-مان إن الوثيقة تبدو محاولة لإعفاء المجلس وجميع العاملين فيه من أي مساءلة عن انتهاكات قانونية محتملة.

أما أستاذة القانون الدولي في جامعة روتجرز نورا عريقات فرأت أن المشروع ينشئ "نظاما قانونيا خاصا به" من دون أي رقابة خارجية أو التزام واضح بالقانون الدولي.

كما حذر مدير منظمة داون عمر شاكر من أن منح المجلس صلاحية استخدام الأراضي والممتلكات الفلسطينية من دون موافقة أو تعويض قد يفتح الباب أمام مصادرة غير قانونية للممتلكات.

في المقابل، نفى مسؤول في مجلس السلام صحة ما ورد في التقارير، مؤكدا للغارديان أنه لا يوجد إطار حصانة بالشكل الذي وصفته الوثائق المسربة، وأن المجلس سيعمل وفق قواعد واضحة للرقابة والمساءلة، كما نفى أن يكون للرئيس ترامب سلطة منح أو سحب الحصانة عن أعضاء المجلس.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

غزة بين رؤيتين متناقضتين

تكشف التطورات عن فجوة واسعة بين الرؤية السياسية التي تتحدث عن إعادة تشكيل غزة وتحويلها إلى مركز اقتصادي وسياحي، وبين الواقع اليومي الذي يعيشه سكان القطاع، حيث لا يزال نحو 1.9 مليون فلسطيني يعيشون في الخيام أو في ظروف نزوح، بينما يعتمد كثيرون على الطين والركام لبناء مأوى يوفر الحد الأدنى من الحماية.

وبين مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية والجدل القانوني حول إدارة القطاع، تبقى الأولوية بالنسبة لسكان غزة هي العثور على سقف يحميهم من الحر والبرد، ولو كان مصنوعا من تراب الأرض التي يعيشون عليها.