لم تسقط الحرب النظام الإيراني كما توقع كثيرون عند بدايتها، لكنها تركت بصمات عميقة على الدولة والمجتمع وموازين القوة داخل البلاد.
بعد أكثر من 3 أشهر من المواجهة العسكرية، خرجت إيران بسلطة أكثر اعتمادا على المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومجتمع أكثر التفافا حول فكرة السيادة الوطنية، واقتصاد يواجه ضغوطا غير مسبوقة.
وبينما تعرضت منشآت عسكرية وصناعية ونووية لضربات واسعة، يرى باحثون وخبراء أن الحرب أعادت تشكيل شكل إيران بدلا من إنهائها، وفتحت مرحلة جديدة قد تحدد ملامح إيران لسنوات طويلة.
سلطة أكثر عسكرة ونفوذ متصاعد للمؤسسات الأمنية
بحسب تقرير صحيفة ليزيكو، تمثلت أبرز نتائج الحرب في انتقال مركز الثقل داخل النظام نحو الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية بعد مقتل عدد من القيادات السياسية والعسكرية في بداية الحرب.
وترى أزادية زاميريراد من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن إيران ما زالت جمهورية دينية، لكنها أصبحت "أكثر عسكرة بكثير" مما كانت عليه قبل الحرب.
وتضيف الباحثة أن السلطة أصبحت موزعة بين عدة مراكز نفوذ مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، مع تشديد الرقابة الداخلية وتوسع إجراءات القمع السياسي، بما في ذلك تنفيذ أحكام إعدام بحق متهمين بالتجسس.
كما شهدت البلاد زيادة في نقاط التفتيش والرقابة على السكان، إلى جانب قيود واسعة على الوصول إلى الإنترنت خلال أشهر الحرب.
ويذهب تقرير صادر عن معهد مونتين إلى أن الحرب ساهمت في بروز نخبة حاكمة جديدة يغلب عليها الطابع القومي والأمني أكثر من الطابع الأيديولوجي التقليدي.
ووفقا للتقرير، فإن هذه النخبة تركز بصورة متزايدة على تعزيز قوة الدولة والسيادة الوطنية والمكانة الإقليمية لإيران، بينما أصبحت الأيديولوجيا الدينية أداة سياسية أكثر منها مرجعية حاكمة للعمل السياسي.
صعود النزعة الوطنية رغم الخسائر البشرية
رغم الضغوط الاقتصادية والاستياء الذي سبق الحرب، تشير عدة دراسات إلى أن الهجمات الخارجية ساهمت في تعزيز الشعور الوطني داخل إيران.
بحسب ليزيكو، أدى القصف الذي طال مدنا ومرافق مدنية إلى تنامي حالة من الالتفاف الوطني حول الدولة، حتى بين شرائح كانت تنتقد النظام قبل الحرب.
وتقول أزادية زاميريراد إن إيران تشهد اليوم "وعيا وطنيا جديدا"، معتبرة أن الحرب الحالية هي الأكثر تأثيرا على المجتمع الإيراني منذ الحرب العراقية الإيرانية، وأن آثارها ستستمر لسنوات طويلة.
ويقدم علي أصغر قره داغي من جامعة ماينوث تفسيرا مشابها، إذ يرى أن اغتيال المرشد الإيراني من قبل قوة أجنبية أدى إلى ما يعرف في العلوم السياسية بظاهرة "الالتفاف حول العلم"، حيث يتحول القائد المستهدف إلى رمز وطني في نظر جزء من السكان.
ويضيف أن الرهانات على انهيار النظام أو اندلاع تغيير سياسي سريع لم تتحقق، بل ساهمت الحرب في توسيع التداخل بين الهوية الوطنية والبعد الديني لدى قطاعات من المجتمع الإيراني.
كما يفيد معهد مونتين أن جزءا من المعارضة الداخلية فقد زخمه خلال الحرب بعدما ترسخ لدى كثير من الإيرانيين اعتقاد بأن الهدف من العمليات العسكرية لم يكن فقط تغيير سلوك النظام، بل إضعاف الدولة الإيرانية نفسها أو إعادة تشكيلها.
اقتصاد منهك ودولة تبحث عن إعادة البناء
على الصعيد الاقتصادي، كانت تكلفة الحرب مرتفعة. ووفقا لبيانات أوردتها ليزيكو نقلا عن مركز الإحصاء الإيراني، بلغت نسبة التضخم الغذائي 115% خلال شهري مارس وأبريل، فيما وصل التضخم العام إلى 73.5%. كما توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1% خلال عام 2026 وارتفاع معدل التضخم السنوي إلى نحو 68.9%.
وشهد الريال الإيراني تراجعا حادا، إذ وصل سعر الدولار إلى نحو 1.7 مليون ريال، أي ما يقارب ضعف مستواه قبل الحرب. كما تعرضت آلاف المباني والمنشآت لأضرار أو دمار، بينها مدارس ومستشفيات ومرافق صناعية ومنشآت للطاقة، بينما قدرت الحكومة الإيرانية الخسائر بنحو 270 مليار دولار.
لكن دراسات أخرى تشير إلى أن الدولة احتفظت بجزء مهم من قدراتها الاقتصادية والمؤسسية.
فبحسب دراسة جامعة ماينوث، فإن العقوبات الطويلة دفعت إيران خلال السنوات الماضية إلى تطوير قدرات إنتاجية محلية ساعدتها على الصمود خلال الحرب. ويرى الباحث علي أصغر قره داغي أن الدولة الإيرانية لم تظهر مؤشرات على الانهيار، بل اتجهت إلى التكيف مع الظروف الجديدة وإعادة تنظيم مؤسساتها السياسية والأمنية.
وفي السياق نفسه، يرى باحثون في كينغز كوليدج لندن أن طهران نجحت في الحفاظ على أدوات ضغط استراتيجية، من بينها قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز واستمرار امتلاكها قدرات صاروخية ومسيرات رغم الخسائر التي تعرضت لها. وبحسب الدراسة، فإن القيادة الإيرانية تتجه إلى تخصيص موارد إضافية لإعادة بناء هذه القدرات وتعزيزها خلال المرحلة المقبلة.





