بينما يتحدّث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن اقتراب اتفاق مع إيران وإمكانية عودة الاستقرار إلى المنطقة، تبدو الصورة مختلفة تماما بالنسبة لملايين الأشخاص الذين يعيشون في غزة ولبنان وإيران.
بالنسبة لهؤلاء، لم تعد الحرب حدثا استثنائيا، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية، حيث تبقى الحقائب جاهزة قرب الأبواب تحسبا لأي قصف جديد أو موجة نزوح مفاجئة.
وتفيد صحيفة الغارديان بأنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، إذ لم تعد الحروب تدور حول أهداف واضحة أو نهايات متوقعة، بل تحوّلت إلى دوامة من التصعيد المتبادل، فيما يشعر السكان بأنّ القوى الدولية تراقب المشهد من بعيد من دون أن تقدّم حلولا حقيقية.
لبنان.. وقف إطلاق نار على الورق فقط
خلال الأيام الماضية شهد لبنان أوسع توغل إسرائيلي منذ أكثر من ربع قرن، مع سقوط قتلى ونزوح مئات الآلاف من سكان الجنوب. ورغم الإعلان عن وقف إطلاق نار برعاية أميركية، فإنّ الاتفاق بدا هشا منذ اللحظة الأولى.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي استمرار العمليات العسكرية، بينما رفض حزب الله الاتفاق بصيغته الحالية وطالب بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
وتنقل الغارديان عن محللين إسرائيليين اعتقادهم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لم يعد يركّز على المواجهة مع إيران أو حزب الله فحسب، بل يسعى إلى توسيع دائرة الصراع بما يخدم حساباته السياسية الداخلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
وترى الصحيفة أنّ بعض أوساط اليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لإعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية في المنطقة، وهو ما يفسر الدعوات المتزايدة لضم أجزاء من جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية.
غزة.. كارثة مستمرّة رغم الهدنة
في غزة، تبدو كلمة "هدنة" بعيدة عن الواقع. فبحسب التقرير، قُتل أكثر من 900 شخص منذ دخول وقف إطلاق النار الأميركي حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، نتيجة استمرار القصف والعمليات العسكرية.
وتشير الصحيفة إلى أنّ أكثر من واحد من كلّ ١٠ من سكان القطاع قبل الحرب أصبحوا بين قتيل أو جريح منذ اندلاع الحرب، فيما بات السكان محصورين في شريط ساحلي ضيق بعد توسع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
وتنقل الغارديان عن مراسلتها في القدس إيما غراهام هاريسون قولها إن إسرائيل تسيطر حاليا على ما لا يقل عن 60% من مساحة القطاع، وهي مناطق تعرضت لدمار واسع وأصبحت غير صالحة للحياة.
ورغم الوعود التي تضمنتها اتفاقات التهدئة بشأن زيادة المساعدات الإنسانية، فإنّ القطاع ما زال يعاني نقصا حادّا في المياه النظيفة والموادّ الغذائية والإمدادات الطبية، فيما يواجه السكان خطر المجاعة وسوء التغذية بشكل مستمرّ.
وتصف الصحيفة الوضع بأنّه "كارثة إنسانية متواصلة"، مشيرة إلى أنّ أكثر من 100 شخص يسقطون شهريا جرّاء العمليات العسكرية، وهو رقم يكفي في أي مكان آخر من العالم لوصف المنطقة بأنها ساحة حرب نشطة.
إيران.. الخوف من الحرب والخوف من البديل
أما في إيران، فتبدو الصورة أكثر تعقيدا. فالكثير من الإيرانيين ينتقدون النظام ويعارضونه، لكنهم في الوقت نفسه لا يعتقدون أن القصف الخارجي أو الحرب سيجلب لهم الحرية أو الديمقراطية.
وتشير الغارديان إلى أن ذكريات الغزو الأميركي للعراق وما أعقبه من فوضى ما زالت حاضرة بقوة في أذهان الإيرانيين، ما يجعل قطاعات واسعة من السكان تنظر بحذر إلى أي حديث عن تغيير النظام بالقوة.
وتنقل الصحيفة شهادة رجل أعمال إيراني من مدينة مشهد قال: "هذا ليس وقف إطلاق نار، بل مزاد لا ينتهي بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني على حساب دمائنا وحياتنا".
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، فإن الحرب لم تؤد إلا إلى مزيد من التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتعزيز قبضة السلطات الأمنية، بدلا من إضعافها.
العالم منشغل والنار مستمرة
وتشير الغارديان إلى أنّ المأساة الكبرى لا تكمن فقط في استمرار القتال، بل في شعور سكان المنطقة بأنهم تُركوا وحدهم. فبينما تنشغل الحكومات الغربية بأسعار النفط والتضخم والانتخابات المقبلة، لا يبدو أنّ معاناة المدنيين في غزة ولبنان وإيران تحظى بالأولوية نفسها.
وتقول الصحيفة إنّ كثيرا من سكان المنطقة يتساءلون عن سبب الحماس الغربي لمحاسبة روسيا على استهداف البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، مقابل الصمت أو التردد عندما يتعلق الأمر بانتهاكات مشابهة في الشرق الأوسط.
وفي ظل غياب أي أفق سياسي واضح، يبدو أن المشهد المشترك بين غزة وبيروت وطهران بات واحدا: عائلات تعيش على وقع صفارات الإنذار، واقتصادات تزداد هشاشة، وحقائب تبقى جاهزة قرب الأبواب بانتظار جولة جديدة من حرب لا تبدو لها نهاية.





