وصول القوات الإسرائيلية إلى عمق الجنوب اللبناني يعيد للذاكرة احتلال لأسلافهم قبل أكثر من 4 عقود، بينما تكشف لغة بنيامين نتنياهو العدائية، ونوبات غضب الرئيس دونالد ترامب، وتكتيكات الجيش الإسرائيلي، عن ضآلة التغيير الذي طرأ على الوضع خلال ما يقارب 5 عقود من الصراع.

تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" أضاء على أجواء التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد أن تدخّل الرئيس الأميركي الإثنين، في مكالمة حادة اللهجة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بوقف تصعيد عسكري كان يستهدف العاصمة اللبنانية بيروت، ولو مؤقتا، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أحداث عام 1982.

ووفق محللين فإن المحادثة تحاكي مكالمة مصيرية بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في أغسطس 1982، والتي وصفها ريغان في مذكراته.

المقارنة تأتي وسط تحذيرات من تكرار سيناريوهات صراع إقليمي معقّد قد يفاقم التوتر في المنطقة.

ترامب - نتنياهو

يوم الإثنين توعدت إسرائيل بتكرار قصفها للضاحية، معقل حزب الله في جنوب بيروت، مما أدى إلى تدفق أعداد هائلة من المدنيين المنهكين والخائفين في حالة من الذعر، وفق الصحيفة.

وفي نفس اليوم، قال ترامب إنه طلب من نتنياهو إلغاء "غارة كبيرة على بيروت"، لتؤكد تقارير إعلامية أميركية لاحقا أن ترامب قال لنتنياهو: "أنت مجنون تماما".

ووفقا لموقع أكسيوس، أضاف: "الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا"، وهو ما لم ينفه البيت الأبيض.

بحسب التقرير، بعد المكالمة، أوقف نتنياهو حملة القصف، التي كادت أن تُفشل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران حيث هددت الأخيرة بعد تقارير الخلاف الإثنين، بالإنسحاب من المفاوضات مع واشنطن إذا وسّعت إسرائيل نطاق ضرباتها على بيروت.

غزو إسرائيل للبنان عام 1982

المكالمة الغاضبة بين ترامب ونتنياهو والتي انتهت بإجهاض عملية قصف بيروت، كانت مجرد صدى للهجوم الإسرائيلي الذي بدأ عام 1978 بعملية صغيرة لتطهير مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من المناطق المتاخمة للحدود الشمالية من إسرائيل.

غير أنه بحلول عام 1982، تحولت تلك العملية إلى غزو إسرائيلي شامل تحول إلى احتلال دام 18 عاما لجنوب لبنان، وانتهى بمستنقع وتراجع للجيش الإسرائيلي، الذي كان يضم آنذاك العديد من الشخصيات التي وصلت لاحقا إلى أعلى مستويات السياسة الإسرائيلية.

يشير تقرير الصحيفة، إلى أن هذه المرة لا تزال النتيجة غير واضحة.

في بيان مشترك مع واشنطن الأربعاء، أعلنت إسرائيل ولبنان اتفاقهما على وقف إطلاق النار بشرط انسحاب حزب الله من جنوب لبنان ووقف هجماته على إسرائيل.

ريغن- بيغن

تقرير "فاينانشال تايمز" يقارن بين المكالمة الهاتفية الحادة التي جرت ليلة الإثنين بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ومكالمة مشابهة بين الرئيس رونالد ريغان ورئيس الوزراء مناحيم بيغن في أغسطس 1982، والتي كان ريغان قد ذكرها في مذكراته.

ففي تلك الفترة وبينما كانت إسرائيل تُقاتل منظمة التحرير الفلسطينية، حاصرت بيروت لأسابيع وقصفت ضواحي المدينة بكثافة لنحو نصف يوم، ما أسفر عن مقتل مدنيين أكثر من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية.

وبحسب كلمات ريغان نفسه: "كنت غاضبا". وكتب ريغان: "أخبرته أنه يجب أن يتوقف فوراً، وإلا فإن مستقبل علاقتنا بأكملها في خطر".

وأضاف ريغان: "استخدمت كلمة "المحرقة" عن قصد، وقلت إن رمز حربه أصبح صورة لطفل رضيع يبلغ من العمر 7 أشهر وقد بُترت ذراعاه"، وفق ما نقلته الصحيفة.

"شعور جزئي بالديجافو"

لكن حرب إسرائيل مع حزب الله تجري ضمن صراع أوسع نطاقًا، سيُحسم مصيره بين الولايات المتحدة وإيران.

وتنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى القيادة الإيرانية باعتبارها تهديدا وجوديا، وتخشى أن يخفف ترامب الضغط على طهران قبل انتزاع تنازلات ملموسة بشأن برنامجها النووي، وفق "وول ستريت جورنال".

زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، قال إن هذه المحادثة الحادة بين ترامب ونتنياهو، جعلت إسرائيل تبدو وكأنها "دولة محمية تماما" بمعنى أنها تحت الوصاية الأميركية.

بدوره يقول شلومو موفاز، الذي أمضى 15 عاما في لبنان المحتل ضابطا رفيع المستوى في المخابرات العسكرية متخصصا في مكافحة الإرهاب: "هناك شعور جزئي بالديجافو" لما يحدث بين لبنان وإسرائيل، وفق تقرير "فاينانشال تايمز".