بين رغبة جامحة لم تخفها تصريحات عدة لمسؤولي الحكومة الإسرائيلية مؤخرا في التوسع، ووضع شائك يتحسس العالم بقلق بالغ طريقه للخروج منه باتفاق ينزع فتيل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، تتضارب المصالح والحسابات بين واشنطن وتل أبيب على نحو غير مسبوق.

تحول اجتماع مجلس الأمن الدولي ليل الإثنين-الثلاثاء إلى ما يشبه جلسة محاكمة لإسرائيل بسبب عملياتها العسكرية الموسعة في لبنان، في دليل جديد على الضغوط التي تواجهها تل أبيب مؤخرا وتغير نظرة المجتمع الدولي لها.

وكان القاسم المشترك في كلمات ممثلي القوى الكبرى خلال تلك الجلسة هو التأكيد على ضرورة احترام إسرائيل وقف إطلاق النار وقرارات مجلس الأمن لخفض التصعيد، مع الانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية.

وقبل ساعات من انعقاد الاجتماع الطارئ الذي دعت إليه باريس، حظرت الحكومة الفرنسية مشاركة تل أبيب في معرض يوروساتوري، وهو أكبر معرض دولي للأسلحة في أوروبا من المقرر عقده في الفترة من 15 إلى 19 يونيو الجاري في العاصمة باريس.

وفي أثناء اجتماع مجلس الأمن، تواصل التصعيد الميداني في جنوب لبنان على نحو خطير وسط تقارير عن توغل القوات الإسرائيلية لأعمق نقطة هناك منذ انسحابها عام 2000.

ترامب يتدارك الموقف؟

تطورات متسارعة أنذرت بتفجر الموقف بعد تقارير إعلامية إسرائيلية عن حصول تل أبيب على ضوء أخضر أميركي لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان ردا على هجمات حزب الله، إلا أن الرئيس دونالد ترامب استشعر فيما يبدو خطورة الموقف وسط مخاوف مما يحويه "صندوق باندورا" الذي يسعى اليمين المتطرف الإسرائيلي إلى المغامرة بفتحه.

وبعد اتصالات مكثفة، تدخل ترامب وأجهض مخطط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمهاجمة العاصمة اللبنانية بيروت، وذلك حفاظا على وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران وحرصا على عدم انهيار الهدنة والعودة إلى المربع الأول.

اتصال هاتفي عاصف بين ترامب ونتنياهو

بعد اتصال هاتفي عاصف مع نتنياهو، أعلن ترامب عن وقف تل أبيب خططها لمهاجمة الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل التزام حزب الله بوقف إطلاق النار على إسرائيل.

وأشار موقع "أكسيوس" إلى أن ترامب ونتنياهو أجريا من قبل العديد من المكالمات التي شابها التوتر، لكنهما استمرا في التنسيق الوثيق بشأن إيران وقضايا أخرى، إلا أن هذه المكالمة كانت الأسوأ بينهما منذ عودة ترامب إلى منصبه، وفقا لما نقله "أكسيوس" عن مسؤول لم يسمه.

وشن ترامب هجوما لاذعا على نتنياهو "خلال مكالمة هاتفية حادة الألفاظ"، حسبما نقل الموقع عن مسؤولين أميركيين ومصدر ثالث وصفه الموقع الإخباري بأنه مطلع على المكالمة التي وصف خلالها ترامب نتنياهو بـ"المجنون".

ترامب اتهم نتيناهو بنكران الجميل، محذرا من أن تنفيذ تهديداته بقصف العاصمة اللبنانية سيزيد من عزلة إسرائيل دوليا، وفقا لأكسيوس الذي نقل عن مسؤول أميركي أن ترامب قال لنتنياهو: "أنت مجنون تماما. لولاي لكنت في السجن. أنا أنقذك. الجميع يكرهك الآن. الجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما نقل الموقع عن مصدر ثان مطلع على المكالمة أن ترامب كان غاضبا وصرخ في نتنياهو في لحظة ما قائلا: "ماذا تفعل بحق الجحيم؟!".

لحظة حاسمة.. الطائرات في الجو

تحول الموقف الأميركي جاء بعد تهديد إيران بشن هجمات على شمال إسرائيل والتصعيد على "جبهات أخرى"، من بينها إغلاق باب المندب، حال أقدمت تل أبيب على تنفيذ خططها بتوسيع نطاق ضرباتها في لبنان لتشمل العاصمة.

ونقل موقع "المونيتور" عن مصدر وصفه بالمطلع أن تعليق الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية جاء في لحظة حاسمة كان سلاح الجو يستعد فيها لإطلاق مقاتلاته بالفعل نحو بيروت.

وقف هش لإطلاق للنار

بينما تواصلت الاشتباكات ليل الإثنين-الثلاثاء، قال مكتب الرئيس اللبناني جوزيف عون على منصة إكس إن حزب الله وافق على مقترح نقله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لعون الأسبوع الماضي، يدعو إلى وقف متبادل للأعمال العدائية.

وبموجب المقترح المطروح، تحجم إسرائيل عن توجيه ضربات لضاحية بيروت الجنوبية، مقابل امتناع حزب الله عن شن هجمات على إسرائيل، على أن يتوسع إطار وقف إطلاق النار لاحقا ليشمل جميع الأراضي اللبنانية، وفقا لمكتب عون.

نتنياهو.. بين ترامب و"الوصاية"

في أول تصريحات عقب اتصاله مع ترامب، قال نتنياهو إنه أبلغ الرئيس الأميركي أنه سيهاجم أهدافا في بيروت "إن لم يتراجع حزب الله عن مهاجمة بلداتنا ومواطنينا... موقفنا هذا ما زال قائما، بموازاة ذلك سيواصل الجيش الإسرائيلي العمل كما هو مخطط له في جنوب لبنان".

ولم يرق تدخل الرئيس الأميركي على الخط وإحباطه المخطط الإسرائيلي، أو تجميده على الأقل للكثيرين في إسرائيل، وفجر عاصفة من ردود الفعل الغاضبة، فانتقد زعيم المعارضة يائير لابيد ما وصفه بتحول إسرائيل إلى "دولة تحت الوصاية بشكل كامل".

بينما طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير نتنياهو بالتمرد على ترامب وعدم الإذعان لتوجيهاته، واعتبر أن "هذا هو آوان أن تقول لا لصديقنا ترامب... رئيس وزراء قوي عليه أن يقول لرئيس الولايات المتحدة نعم عند الممكن، ولا عند الحاجة".

في المقابل، رأى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن ترامب "تبنى المعادلة التي وضعناها، والتي تنص على أن إطلاق النار على بلداتنا يعني قصف بيروت، هذا هو معنى إعلانه".