شهد العراق في غضون أيام قليلة مشهدين متناقضين ظاهريا حيث أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في 27 مايو 2026 فك ارتباط "سرايا السلام" بتياره وإلحاقها بالدولة، داعيا إلى حصر السلاح بيد الحكومة.

وبعد ذلك بأيام، جددت حركة النجباء رفضها لأي حديث عن نزع السلاح، مؤكدة أن "سلاح الفصائل" لن يسلم ولن يتغير موقفها منه.

وبين الموقفين، بدأت فصائل أخرى مثل "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" إجراءات لفك ارتباطها التنظيمي بتشكيلات الحشد الشعبي وإعادة تنظيم علاقتها بالدولة.

وتشير التطورات إلى أن العراق يشهد مرحلة جديدة من إعادة ترتيب العلاقة بين الفصائل المسلحة والدولة، في ظل ضغوط سياسية داخلية ومتغيرات إقليمية دفعت بعض القوى إلى إعادة تعريف دورها وموقعها داخل النظام السياسي العراقي، بينما تصر قوى أخرى على التمسك بوضعها العسكري الحالي.

لماذا بدأ الحديث عن تفكيك بعض الفصائل؟

بحسب تقرير نشرته مجلة المجلة، فإن قرار مقتدى الصدر لم يقتصر على حل أو تجميد تشكيل مسلح، بل جاء في إطار محاولة لإعادة تعريف موقعه السياسي بوصفه "رجل دولة" أكثر من كونه زعيما لفصيل مسلح.

وأعلن الصدر أن سرايا السلام ستتحول إلى مشروع البنيان المرصوص المدني، وأنها ستكون من دون سلاح أو مقرات أو زي عسكري.

وجاءت الخطوة بالتزامن مع توجهات سياسية جديدة داخل بغداد. وفقا للتقرير، فوض الإطار التنسيقي رئيس الوزراء علي الزيدي باتخاذ الإجراءات اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط تشكيلات الحشد الشعبي عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية. كما رحّب الزيدي بخطوة الصدر ودعا الفصائل الأخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة.

وتذكر المجلة أنّ هذه ليست المرة الأولى التي يعمد فيها الصدر إلى تجميد أو إعادة هيكلة تشكيلاته المسلحة. فقد سبق أن جمّد "جيش المهدي" عام 2008 بعد سنوات من المواجهات المسلحة، ثم عاد إلى الساحة العسكرية عام 2014 عبر تأسيس سرايا السلام استجابة لفتوى المرجع علي السيستاني المتعلقة بمواجهة تنظيم داعش. وترى المجلة أن التجميد وإعادة التشكيل أصبحا جزءا من أدوات الصدر السياسية كلما رأى أنّ العمل العسكري تحول إلى عبء على مشروعه السياسي.

فصائل تسير نحو الدولة وأخرى ترفض

لم يقتصر الأمر على التيار الصدري، فبحسب ما أوردته وكالة شفق نيوز، أعلنت عصائب أهل الحق تشكيل لجنة مركزية للشروع في إجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي، تشمل جرد الأفراد والأسلحة والآليات وتنظيم آليات الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة. كما أعلنت كتائب الإمام علي خطوات مشابهة تتضمن الجرد والتسليم وإعادة دمج المنتسبين ضمن مؤسسات الدولة.

كما كشفت مصادر نقلتها الوكالة عن تخصيص 35 ألف فرصة عمل لعناصر الفصائل التي تقبل بتسليم سلاحها والانخراط في ترتيبات الدولة الجديدة.

في المقابل، تتبنى حركة النجباء موقفا مختلفا تماما. فقد أكّدت الحركة في بيان نقلته شفق نيوز أن موقفها "ثابت ولم ولن يتغير" بشأن السلاح الذي وصفته بأنه "سلاح مقدس منضبط وجد للدفاع عن عراق المقدسات وشعبه". كما استشهدت بمواقف أمينها العام أكرم الكعبي الذي اعتبر أن "السلاح خط أحمر" وأنه "لن يسلم ما دام فينا نفس".

ونقلت الوكالة أيضا عن رئيس المجلس التنفيذي للحركة ناظم السعدي قوله إنّ بند "حصر السلاح" الوارد في برنامج الحكومة الجديدة لا يشمل "سلاح الفصائل"، بل يستهدف السلاح الذي يسبب الفوضى.

ما الذي يفسر هذا الانقسام؟

بحسب تحليل المجلة، فإن الفارق لا يتعلق بالسلاح فحسب، بل بطبيعة النفوذ الذي تستند إليه كل جهة. وفقا للتقرير، يمتلك الصدر قاعدة اجتماعية وشعبية واسعة تسمح له بالحفاظ على تأثيره السياسي حتى في غياب الذراع العسكرية. وترى المجلة أن قوة التيار الصدري لا تستند فقط إلى السلاح، بل إلى شبكة اجتماعية ودينية وخدمية ممتدة منذ أكثر من عقدين.

ولهذا السبب، ترى المجلة أن تخلي الصدر عن السلاح لا يعني بالضرورة تخليه عن النفوذ، بل قد يعكس قناعة بأنّ صورة "رجل الدولة" أصبحت أكثر فائدة له في المرحلة الحالية من صورة قائد الفصيل المسلح.

أما الفصائل التي ترى نفسها جزءا من معادلات أمنية وإقليمية أوسع من الساحة العراقية، فتشير المجلة إلى أنها تنظر إلى السلاح باعتباره ركنا أساسيا من أركان النفوذ والشرعية، وليس مجرّد أداة يمكن الاستغناء عنها أو إعادة تنظيمها بسهولة. ولهذا السبب، لا تعني خطوة الصدر بالضرورة أنّ بقية الفصائل ستسلك المسار نفسه.

وبينما تتواصل إجراءات إعادة تنظيم بعض التشكيلات المسلحة ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، يستمرّ الجدل داخل العراق حول مستقبل السلاح ودور الفصائل، في وقت تبدو الساحة العراقية منقسمة بين مشروع يدعو إلى إعادة التموضع الكامل داخل الدولة، ومشروع آخر يرى أن الاحتفاظ بالسلاح ما زال جزءا أساسيا من دوره ووظيفته.