لم تكن بغداد في اليومين الفائتين أمام زيارة بروتوكولية لمسؤول إيراني، بل أمام حدث أمني وسياسي بالغ الحساسية. فبحسب ما كشفه موقع "المدن" وصلت إلى العاصمة العراقية شخصية استخبارية إيرانية رفيعة، وصفتها مصادر عراقية بأنها "ضابط نافذ في الحرس الثوري"، وصل بطريقة غير مباشرة، وغادر بالطريقة نفسها، من دون إعلان رسمي أو تسريب لصور أو أسماء، ومن دون لقاءات موسّعة، بل لقاءات محدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
أهداف الزيارة؟
الزيارة جاءت بهدف "وقف الانزلاق المحتمل لبعض الفصائل المسلحة نحو الدولة"، بعدما بدأ مقتدى الصدر هذا المسار، ولحقته عصائب أهل الحق ثم كتائب" الإمام علي" وسط توقعات بأن قادة فصائل أخرى قد تسير على هذا النهج، في وقت ترى طهران أن هذا التحول يهدد أمنها القومي، ويقوّض نفوذها داخل العراق.
هذا التقدير يتقاطع مع ما نشرته صحف عربية مثل "الشرق الأوسط" التي تحدثت عن تململ داخل بعض الفصائل، وعن نقاشات داخلية تتناول مستقبل السلاح خارج الدولة، خصوصاً بعد تصاعد الضغوط الأميركية على المجموعات القريبة من إيران.
مواقع فارسية معارضة مثل "إيران إنترناشيونال" نشرت تقارير تحدثت عن وجود قلق داخل صفوف الحرس الثوري من "تراجع الانضباط داخل الفصائل العراقية"، ومن "تزايد الأصوات التي تدعو إلى الانخراط في مشروع الدولة".
ما هي رسالة الضيف الغامض؟
بحسب "المدن"، جاء الضابط الإيراني حاملاً خيارين:
- الترغيب: من خلال عرض أموال، نفوذ، وفتح شبكات استثمار خارجية عبر طرق ملتوية اعتادت طهران استخدامها.
- الترهيب: بمطالبة بعض القادة بالتنحي، واستبدالهم بقيادات أكثر التزاماً بالخط الإيراني.
هذا الأسلوب، يتطابق مع ما ذكرته تقارير سابقة لـ"رويترز" حيال طريقة تعامل طهران مع الفصائل العراقية في لحظات التوتر.
لكن الجديد، أن قدرة إيران على استخدام "العصا" تراجعت، وأن "الجزرة" باتت شبه مستحيلة بسبب الأزمة الاقتصادية والعقوبات الدولية المفروضة عليها.
وأتت الزيارة بعد أيام من إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر استعداده تسليم السلاح للدولة والانخراط في مشروعها، وهو موقف رحّبت به الحكومة، واعتبرته خطوة في اتجاه حصر السلاح بيد الدولة.
وتزامنت أيضا مع إعلان الأمانة العامة لكتائب "الإمام علي فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي حصر السلاح بيد الدولة ودمج أفرادها في مؤسسات الدولة.
وكان فصيل عصائب أهل الحق المسلحة قد أيضا في نفس اليوم فك الارتباط بهيئة الحشد الشعبي وتسليم السلاح والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية.
هل تلقّى الصدر تحذيرات أمنية؟
ظهرت خلال الأشهر الأخيرة "تقارير وتحذيرات" تتحدث عن تهديدات محتملة وصلت للصدر بسبب مواقفه من الفصائل المسلحة.
موقع "ناس نيوز" نقل عن مصادر سياسية عراقية أن الصدر تلقّى "تحذيرات أمنية" من احتمال استهدافه في لحظة فراغ سياسي، موقع "إيران إنترناشيونال" تحدث عن انزعاج داخل الحرس الثوري من استقلالية الصدر، وعن "مخاوف من تحوله إلى زعيم شيعي خارج السيطرة".
كتّاب عراقيون مثل إحسان الشمري وغيث التميمي تحدثوا في مقابلات تلفزيونية عن "معلومات وصلت للصدر" تتعلق بتهديدات محتملة.
معلومات بلينكس عن موقف الصدر
صحافي عراقي قريب من التيار الصدري أوضح لـ"بلينكس" أن مقتدى استشرف المرحلة المقبلة التي ستمارس فيها الولايات المتحدة ضغوطا على الحكومة العراقية من أجل حصر سلاح الفصائل بيد الدولة، تحت طائلة فرض عقوبات عليها، ولذلك استبق التطورات المرتقبة وأعلن استعداه تسليم سلاح سرايا السلام والانخراط في مشروع الدولة.
في المقابل قلّل وزير عراقي سابق في حديثه مع بلينكس من أهمية موقف الصدر وذكّر أنه في العام ٢٠١٤، أعلن تجميد أنشطة "جيش المهدي"، ثم أعاد الصدر تشكيله بصيغة "سرايا السلام".
وفي العام ٢٠١٧، تحدث عن حلّ الفصائل المرتبطة به، ثم أعاد تحريكها خلال التوترات الأمنية. وفي العام ٢٠١٩ وعند انطلاق "انتفاضة تشرين" ضد الفساد في بغداد وبعض محافظات الجنوب، ظهر فصيل تابع للتيار الصدري تحت مسمى "القبعات الزرق" عمل على ترهيب المحتجين، رغم رفعهم مطالب محقة.
في العام ٢٠٢١ أعلن الصدر انسحابه من الحياة السياسية، ثم عاد إلى الواجهة، بعد أشهر من هذا الإعلان.
المواقف الزئبقية لمقتدى الصدر تلقي شكوكا حيال مدى جدّية استعداده تسليم سلاحه والانخراط في مشروع الدولة، وإن المرحلة المقبلة كفيلة بالكشف عن صدقية مبادرته.





