في ظل تصاعد التحذيرات الغربية من أشكال تجسس مختلفة، فتحت صحيفة "ذا تلغراف" قضية تحمل ملامح تجسس إيراني ولكن من باب تداخل السياسة بالإعلام والهجرة والأمن، حيث تتقاطع مسارات قانونية ظاهريًا مع مخاوف من توظيفها ضمن شبكات نفوذ أوسع عابرة للحدود.

وكشف تحقيق نشرته صحيفة "التلغراف" البريطانية أن شركة مرتبطة بجهات إيرانية مدعومة من طهران تنشط على الأراضي البريطانية، وتستقدم عمالة إلى المملكة المتحدة عبر تأشيرات العمال المهرة، بموافقة رسمية من وزارة الداخلية البريطانية.

الشركة وخيوط الارتباط بطهران

الشركة المعنية، بحسب التقرير، هي "RAD Media World"، ومقرها في منطقة وِمبلي شمال غرب لندن، وتُقدّم نفسها شركةً لإنتاج المحتوى التلفزيوني. غير أن التحقيق ربطها بعدد من الكيانات المرتبطة بالحكومة الإيرانية، أبرزها قناة "برس تي في"، الذراع الإعلامية الرسمية للنظام الإيراني، التي وصفها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي بأنها استُخدمت من قبل الاستخبارات الإيرانية "لتجنيد أصول حساسة، بينها مواطنون أميركيون".

فضلاً عن ذلك، تربطها صلات بقناة "هيسبان تي في"، الناطقة بالإسبانية والموجّهة نحو أميركا اللاتينية.

وعندما توجّه مراسل "التلغراف" إلى العنوان المسجّل للشركة، وجد وحدة فارغة في مجمع تجاري تحرسها شركة أمن خاصة.

تأشيرات قانونية.. ومخاوف أمنية

تتمتع الشركة بصلاحية رسمية لكفالة تأشيرات العمال المهرة، وهو نوع من التأشيرات يتيح البقاء في المملكة المتحدة لمدة تصل إلى خمس سنوات، مع إمكانية إحضار أفراد الأسرة. وقد أكد مصدر حكومي بريطاني أن الشركة نجحت فعلاً في استقدام عدد من العمال، وإن وصفهم بـ"العدد المحدود".

وحذّر خبراء في مجال مكافحة الإرهاب من أن هذه التأشيرات تشكّل "باباً مفتوحاً" يتيح لعناصر إيرانية دخول البريطانية لأغراض تتجاوز العمل، ومنها: المراقبة، والاستطلاع، وتحريك الأموال بصورة سرية، وتنفيذ أعمال عدائية ضد الجاليات المستهدفة، لا سيما اليهود والمعارضين الإيرانيين.

وقال جوناثان هاكيت، ضابط الاستخبارات الأميركي السابق والمتخصص في العمليات الإيرانية السرية، إن طهران "تستغل النهج المتساهل" الذي تنتهجه لندن عبر "توجيه كثير من أنشطتها من خلال منافذ إعلامية وثقافية"، مضيفاً: "هذه المنظمات توفر غطاءً لضباط الاستخبارات الإيرانية الراغبين في دخول المملكة المتحدة دون إبلاغ الحكومة البريطانية".

ضغوط برلمانية ومطالبات بالتحقيق

وطالب النائب العمالي ديفيد تايلور بسحب صلاحيات الكفالة من الشركة "فوراً"، والتحقيق في هوية كل من حصل على تأشيرة بكفالتها. كما طالب روجر ماكميلان، المتخصص في مكافحة الإرهاب الإيراني والمدير الأمني السابق لقناة "إيران إنترناشيونال"، بإجراء "مراجعة شاملة" لسياسات منح تأشيرات الكفالة.

وأفادت الصحيفة بأن ملفاً يوثّق ارتباطات الشركة بكيانات إيرانية مدعومة رسمياً قُدِّم إلى وحدة مكافحة الإرهاب في شرطة لندن وإلى وزارة الداخلية.

في المقابل، وصف المدير الحالي للشركة، سيد مهدي مرتلب، هذه الادعاءات بأنها "مؤامرة".

شبكة نفوذ تعمل منذ عقود

في تحليل مرافق للتحقيق، يرى ماكميلان أن الشبكة الإيرانية في بريطانيا ليست وليدة اليوم، بل تعمل منذ ما يقارب عقدين من الزمن، متغلغلةً في مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخيري والإعلامي. ويميّز بين من يعملون بتوجيه مباشر من طهران، ومن يروّجون لروايتها دون أن يُكلَّفوا رسمياً بذلك، نتيجة تقاطع مصالحهم مع مصالح النظام.

ويرى أن ما تغيّر ليس الشبكة ذاتها، بل أن الحكومة البريطانية باتت تولي الأمر اهتماماً جدياً، معرباً في الوقت ذاته عن قلقه من أن التشريعات وحدها لن تكفي ما لم تتبعها مراجعة ثقافية ومؤسسية عميقة في طريقة تعامل بريطانيا مع النفوذ الإيراني.

وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية أنها "تأخذ التهديد الإيراني بجدية بالغة"، مشيرةً إلى أن تشريعات جديدة ستُسرَّع للتصدي للأنشطة العدائية لجهات أجنبية وعملائها.