بدأت أوروبا تتعامل بجدية متزايدة مع احتمال تراجع المظلة العسكرية الأميركية، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه سحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، ولوح بإجراءات مماثلة ضد دول أوروبية أخرى.

دفع هذا التحول باريس إلى إعادة صياغة عقيدتها النووية والعسكرية، في محاولة لطرح نفسها كقوة أوروبية قادرة على لعب دور أكبر داخل حلف الناتو في مواجهة روسيا.

وبحسب مجلة ناشونال إنترست، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس 2026 عقيدة "الردع المتقدم"، في أكبر تحول في السياسة النووية الفرنسية منذ عقود، في وقت تتصاعد فيه الشكوك الأوروبية بشأن التزام واشنطن طويل الأمد بأمن القارة.

فرنسا تتحرك لملء الفراغ الأميركي

ذكرت ناشونال إنترست أن العقيدة الفرنسية الجديدة تقوم على توسيع الترسانة النووية الفرنسية للمرة الأولى منذ عام 1992، مع السماح بنشر طائرات فرنسية مسلحة نوويا بشكل مؤقت في دول حليفة داخل أوروبا.

كما تشمل الخطة تعزيز التدريبات المشتركة والتنسيق النووي مع ألمانيا وبريطانيا وعدد من دول الناتو، بهدف إرسال رسالة ردع مباشرة إلى روسيا.

وربطت المجلة هذا التحول بتصريحات ترامب المتكررة ضد الناتو، حيث وصف الحلف بأنه "ضعيف" ويعتمد بشكل مفرط على الولايات المتحدة، كما أعلن عزمه سحب 5000 جندي أميركي من ألمانيا، ولوح أكثر من مرة بإمكانية خروج واشنطن من الحلف.

وقال ماكرون إن أوروبا لا يمكنها الاعتماد بشكل كامل على الحماية الأميركية في المستقبل، بينما التقرير إلى أن باريس تحاول بناء "ردع أوروبي إقليمي" في مواجهة التهديدات الروسية، دون أن يكون ذلك بديلا كاملا عن المظلة النووية الأميركية.

انسحاب القوات الأميركية يهز أوروبا

بحسب تقرير نشره موقع ذا كونفرسيشن، فإن قرار ترامب سحب 5000 جندي من ألمانيا جاء بعد توتر متزايد مع حلفاء أوروبيين بسبب الحرب الأميركية ضد إيران، حيث رفض المستشار الألماني فريدريش ميرتس دعم العمليات الأميركية، معتبرا أن طهران "أذلت القيادة الأميركية" بإغلاق مضيق هرمز.

كما هدد ترامب بسحب قوات من إسبانيا وإيطاليا بسبب رفضهما تقديم دعم عسكري للحملة الأميركية ضد إيران، قائلا: "لماذا لا أفعل ذلك؟ إيطاليا لم تساعدنا إطلاقا، وإسبانيا كانت فظيعة".

وتفيد شبكة سي إن إن أن الخلاف الحالي يتجاوز مجرد سحب 5000 جندي، إذ يعكس تصدعا أعمق داخل العلاقة عبر الأطلسي.

ونقلت الشبكة عن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قوله: "إذا أردنا الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي فعلينا تعزيز الركيزة الأوروبية داخل الناتو".

وأضافت الشبكة أن واشنطن باتت تركز بشكل أكبر على آسيا ومواجهة الصين، وهو ما أكده مسؤول البنتاغون إلبريدج كولبي حين قال إن الولايات المتحدة تريد من الحلفاء الأوروبيين "تحمل المسؤولية الرئيسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".

📱

Loading TikTok...

أوروبا أمام سباق تسلح وتحديات ضخمة

ترى التقارير أن الانسحاب الأميركي المحتمل يضع أوروبا أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على بناء منظومة دفاع مستقلة.

ذكرت سي إن إن أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي قد يتضاعف تقريبا بحلول عام 2030 ليصل إلى نحو 750 مليار دولار سنويا.

لكن المشكلة، بحسب الشبكة، لا تتعلق فقط بالأموال، بل أيضا بانقسام الصناعات الدفاعية الأوروبية وغياب التنسيق بين الحكومات. وأشارت إلى أن أوروبا تنتج أكثر من نموذج للدبابات وأنظمة التسليح مقارنة بالنموذج الأميركي الموحد، ما يرفع التكاليف ويضعف الكفاءة العسكرية.

كما تواجه أوروبا نقصا حادا في أنظمة الدفاع الصاروخي، خاصة مع زيادة استهلاك الولايات المتحدة لصواريخ باتريوت وثاد في الشرق الأوسط خلال الحرب مع إيران.

ووفقا لتقرير سي إس آي إس الذي نقلته سي إن إن، لا تمتلك أوروبا حاليا بديلا كاملا للأنظمة الأميركية المتطورة المضادة للصواريخ الباليستية.

وفي خضم هذه التحولات، تبدو فرنسا الأكثر اندفاعا لقيادة مشروع الدفاع الأوروبي الجديد، لكن خبراء يحذرون من أن أي قوة أوروبية منفردة لن تكون قادرة على تعويض الغياب الأميركي الكامل، خاصة في مجال الردع النووي والقدرات اللوجستية والعسكرية العابرة للقارات.