تكشف دول الخليج شبكات تجسس وخلايا نائمة مرتبطة بجهات خارجية ولا سيما منها إيرانية، تعمل بصمت منذ أعوام. هذه الشبكات، التي كانت تتحرك ببطء، أعادت طرح أسئلة جوهرية عن وسائل تشكّلها وتمويلها وأهدافها، ومن يقف خلفها، وكيف استطاعت التغلغل داخل مجتمعات محصّنة أمنيًا.
تحرك خليجي واسع لكشف الشبكات الصامتة
شهدت دول خليجية خلال الأسابيع الفائتة عمليات أمنية متزامنة، أسفرت عن تفكيك مجموعات يُشتبه بارتباطها بالحرس الثوري الإيراني، وصلت إلى ٢٩ خلية حتى الآن موزعة على أكثر من دولة خليجية.
وأكدت مصادر أمنية في المنطقة أن هذه العمليات، تأتي في إطار "تحرك استباقي" لمنع أي نشاط قد يستغلّ التوتر الإقليمي المتصاعد. صحيفة الاتحاد الإماراتية نقلت عن خبير أمني، رفض الكشف عن اسمه، أن دول الخليج "تتعامل اليوم مع تهديدات غير تقليدية، تعتمد على شبكات تعمل في الظل وتتحرك عند تلقي إشارة من الخارج".
كيف تتشكل الخلايا النائمة؟
تقارير خليجية ودولية تشير إلى أن الخلايا النائمة تُبنى وفق نموذج دقيق يبدأ بالتجنيد الهادئ، حيث يتم استقطاب أفراد لديهم ارتباطات مذهبية، ثم نقلهم إلى دول إقليمية لتلقي تدريبات تشمل جمع المعلومات والتواصل السري والتخفي داخل المجتمع.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن باحث غربي متخصص في شؤون الأمن الإقليمي أن "العناصر تأتي إلى الخليج كأفراد عاديين تماماً، يعيشون حياة طبيعية، ويُطلب منهم عدم القيام بأي نشاط ظاهر إلى أن تأتي ساعة الصفر للتحرك".
من يمول هذه الشبكات؟
مصادر أمنية خليجية كشفت لصحيفة الشرق الأوسط، أن التمويل يتم عبر شبكات تحويل غير رسمية وشركات صغيرة تُستخدم كواجهة، ويكون المال هو العمود الفقري لهذه الشبكات، وغالباً ما يُضخ عبر قنوات تبدو قانونية لتجنب الشبهات.
بعض أموال "الخمس" يذهب إلى الإرهاب
تشير لجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة إلى أن تمويل الإرهاب لا يعتمد فقط على أموال غير مشروعة، بل قد يأتي من "مصادر مشروعة" مثل التبرعات والرواتب وعائدات الأعمال.
الإعلامي الإماراتي عبد العزيز الخميس قال في حديث تلفزيوني إن "بعض أموال الخمس التي يدفعها بعض المسلمين تذهب إلى خلايا إرهابية".
هذا الأمر يجعل من الصعب أحيانًا على المؤسسات المالية التمييز بين الأموال التي تُجمع لأغراض دينية شرعية وتلك التي قد تُحوّل لاحقًا لدعم جماعات محظورة. بدورها منظمة الانتربول تحذر من استغلال المنظمات غير الربحية والجمعيات الخيرية كغطاء لنقل الأموال إلى مناطق النزاع.
كيف تُدار الخلايا؟
تُدار الخلايا النائمة عبر ضُباط ارتباط يتواصلون مع العناصر بطرق مشفرة، تشمل رسائل مموّهة أو لقاءات قصيرة في دول ثالثة، بحيث لا يعرف أفراد الخلية العنقودية بعضهم لتقليل فرص كشف الشبكة.
ما أهداف الخلايا النائمة؟
تتعدد أهداف هذه الشبكات بين جمع معلومات حساسة عن منشآت الطاقة والتحركات العسكرية، ونشر روايات مضللة لإثارة الانقسامات الاجتماعية، وصولًا إلى تنفيذ عمليات محدودة عند الحاجة، وأوضح خبير غربي أن "هذه الخلايا تُستخدم كأدوات ضغط، تُفعّل فقط عندما تتصاعد المواجهة الإقليمية".
ماذا جاء في شهادة قنصل إيراني منشق؟
في مقابلة نشرتها صحيفة دي فيلت الألمانية، كشف دبلوماسي إيراني سابق خدم في القنصلية الإيرانية في دبي قبل انشقاقه ولجوئه إلى دولة أوروبية، أن البعثة الدبلوماسية الإيرانية كانت تُستخدم كغطاء لتمرير الأموال والمعدات إلى حزب الله في لبنان، إضافة إلى دعم تشكيل خلايا نائمة في بعض دول الخليج.
وقال القنصل المنشق إن "السفارة كانت تعمل كغرفة عمليات. الأموال كانت تُنقل عبر دبلوماسيين يحملون حقائب محصّنة، والمعدات كانت تصل عبر طرق بحرية معقدة. الهدف كان بناء شبكات يمكن تحريكها عند الحاجة".
وأضاف أن "هذه الخلايا لم تكن تُنشأ لجمع المعلومات فحسب، بل لخلق نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الخليجية".
تعليقات خبراء خليجيين وأجانب
صحيفة الاتحاد تنقل عن خبير أمني قوله إن المنطقة اليوم أكثر يقظة، وما كان بالإمكان تمريره قبل أعوام، لم يعد ممكناً اليوم، وهناك فهم عميق لطبيعة التهديدات الجديدة".
ويضيف باحث غربي في شؤون الشرق الأوسط أن "الخلايا النائمة ليست مجموعات صغيرة معزولة، بل جزء من شبكة إقليمية أوسع تُدار بعناية وتنتظر اللحظة المناسبة للتحرك".
ويرى محلل سياسي سعودي أن الهدف النهائي لهذه الشبكات هو التأثير في موازين القوى داخل الخليج، سواء عبر الضغط الأمني أو عبر خلق بيئة داخلية مضطربة.
ولكن الأجهزة الأمنية الخليجية أثبتت أنها دائما بالمرصاد.





