لم يكن الإكسسوار الأكثر طلبًا في عروض أسبوع الموضة في باريس هذا الأسبوع حقيبة، أو حذاءً رياضيًا، أو ساعة، بل كان كيسًا من الثلج.

فمع اجتياح موجة حر تاريخية للعاصمة الفرنسية، تسابقت دور الأزياء إلى محاولة إبقاء الضيوف في حالة من البرودة عبر أجهزة الرذاذ، والمناشف المبردة، والمظلات، وزجاجات مياه "إيفيان" المثلجة المقدمة على صوانٍ فضية.

لكن ذلك لم يكن كافيًا. فقد تحولت القاعات التاريخية إلى أماكن خانقة، واحتشد الضيوف في مساحات ضيقة، بينما غاب التكييف أو كان غير كافٍ، ونفدت المياه.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية لأن أسبوع الموضة في باريس ليس مجرد فعالية ثقافية عابرة.

لكن هذا الأسبوع طرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل ينبغي لباريس أن تواصل تنظيم عروض الأزياء الراقية في ذروة الصيف، إذا كانت التغيرات المناخية ستجلب موجات حر أكثر تكرارًا وشدة؟.

Image 1

وقال الناقد الأسترالي المتخصص في الموضة والمقيم في لندن، بن فريمان لوكالة أنباء أسوشيتدبرس "بصراحة، ظننت أنني سأفقد الوعي".

واقتربت درجات الحرارة في باريس من 41 درجة مئوية خلال موجة حر دفعت فرنسا إلى إعلان حالة الطوارئ. ووُضعت مناطق واسعة من البلاد تحت الإنذار الأحمر، كما طُلب من المستشفيات الاستعداد لاستقبال مزيد من الحالات المرتبطة بالإجهاد الحراري.

تناقض غريب على منصات العرض

وبينما كانت دور الأزياء تبرد المتفرجين، أرسلت العارضين إلى المنصة مرتدين الجلود، والنيوبرين، والصوف، والفراء، وهي خامات لا تناسب هذا الطقس.

واعترف جوناثان أندرسون، المدير الإبداعي لديور، بالمشكلة قائلًا "الجدول الزمني لم يعد منطقيًا"، وأرجع ذلك إلى اضطراب دورات التسليم ونظام أعمال لم يعد مرتبطًا بالموسم الحقيقي خارج القاعات.

واقترح بعض الحاضرين في الصفوف الأمامية إلغاء إقامة أسبوع الموضة خلال أكثر أشهر السنة حرارة.

عرض شتوي في القيظ

وكان قطاع الموضة قد تلقى إنذارًا مبكرًا بشأن إدارة الحرارة. ففي مارس الماضي، أقامت دار "سيلين" جناحًا خشبيًا من أخشاب الأوكومي داخل ساحة معهد فرنسا لعرض شتوي، لكن بعض الضيوف غادروا بسبب ارتفاع الحرارة رغم أن العرض كان داخل الجناح.

Image 1

وقدّمت "ديور" موعد عرضها إلى التاسعة صباحًا بدلًا من منتصف بعد الظهر، كما فعل "ريك أوينز" أيضًا. ومع ذلك، داخل القصر شبه المجدد الذي استضاف عرض ديور، كانت المياه شحيحة، ولم يكن هناك تكييف، وبدا على بعض الضيوف أنهم على وشك الإغماء.

وكانت الضغوط قد ظهرت بالفعل خلال أسبوع الموضة في ميلانو الأسبوع الماضي. ففي أول عرض لتوم براون هناك، عملت مراوح الرذاذ العملاقة باستمرار، بينما استخدم الضيوف المظلات السوداء أثناء انتظارهم تحت شمس الظهيرة.

منصات عرض خارج الموسم

فالملابس لم تُصمم لصيف باريس، بل للأسواق العالمية ولعملاء يقضون أشهر الحر في مراكز التسوق المكيفة بالخليج، أو في الأبراج المكيفة في نيويورك وشنغهاي. وبالنسبة لهم، فإن شراء معطف صوفي في يونيو ليس تناقضًا، بل مجرد عملية شراء.

وقدمت دار لوي فويتون بدلات غوص مصنوعة من النيوبرين، إلى جانب معاطف من الكشمير والفراء.

أما في دار سان لوران، فقد مرّ العارضون وسط سحب باردة من الضباب أنتجها عمل فني للفنانة فوجيكو ناكايا، قبل أن يجمع المدير الإبداعي أنتوني فاكاريلو بين النقيضين: بدلات خفيفة للغاية ومن دون بطانة تناسب الحر، في مقابل سراويل جلدية قصيرة، وأوشحة ضيقة حول الرقبة، وأحذية شفافة تكثف بداخلها بخار العرق.

Image 1

أكياس ثلج للحضور

أما دار "IM Men" التابعة لإيسي مياكي، فقد قدمت الحل العملي الأكثر وضوحًا، إذ وزعت أكياس الثلج على الحضور عند المدخل، ثم عرضت أقمشة مصنوعة من خيوط الخيزران وطبعات تمنح إحساسًا بالحركة مع الهواء بدلًا من مقاومته.

في المقابل، جسّد عرض "ريك أوينز" القلق المناخي بصورة مباشرة، عندما دفع بعارضيه إلى السير وسط الضباب وهم يرتدون ملابس تحتوي على مراوح تدور بداخلها. ووصف أحد النقاد العرض بأنه "استعارة لكارثة المناخ".

جدل الفرنسي حول التكييف

ولا يزال استخدام أجهزة التكييف محل تحفظ ثقافي في فرنسا، إذ يُتهم بالتسبب في التهاب الحلق، ويُنظر إليه باعتباره إسرافًا أو مضرًا بالبيئة، حتى مع تحول موجات الحر إلى قضية تتعلق بالسلامة العامة.

وتفضل حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون حلولًا مثل زيادة الظل، وتحسين العزل الحراري، وزراعة الأشجار، بينما يحذر دعاة حماية البيئة من أن الاعتماد الواسع على التكييف سيزيد الانبعاثات التي تؤدي أصلًا إلى تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.

Image 1

وتعد أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، لكن مدنها القديمة تفتقر إلى وسائل التبريد التي يتطلبها المناخ الجديد.

فمن الرياضة إلى السياحة والبناء، تجد القطاعات التي تعتمد على جداول زمنية ثابتة وتجمعات خارجية نفسها مضطرة للتكيف مع موجات حر تبدأ مبكرًا، وتستمر لفترات أطول، وتصل إلى درجات أعلى.