تعيش فرنسا واحدة من أشدّ موجات الحرّ في تاريخها الحديث، في وقت لم تعد درجات الحرارة المرتفعة مجرّد تحدّ مناخي، بل تحوّلت إلى عامل يعيد تشكيل الحياة اليومية والاقتصاد والسياسات العامة.

من المنازل والمدارس إلى محطات الطاقة والفعاليات الجماهيرية، فرضت الحرارة واقعا جديدا كشف عن ثغرات في البنية التحتية، وأجبر السلطات والقطاع الخاص والمواطنين على البحث عن حلول سريعة، بينما يحذر خبراء من أن التكيف مع المناخ الجديد لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

السكن.. أزمة تكشف هشاشة المباني الفرنسية

أبرزت موجة الحر حجم التحديات التي تواجه قطاع الإسكان في فرنسا، بعدما تبين أن معظم المباني لم تصمم لتحمل درجات الحرارة المرتفعة.

ذكرت صحيفة لو فيغارو، أن 9 من كل 10 مساكن في فرنسا غير مهيأة لمواجهة موجات الحرّ، فيما يمكن اعتبار نحو نصفها "غلايات حرارية" ترتفع فيها الحرارة إلى مستويات يصعب تحملها.

ويرى مختصون أن المشكلة تعود إلى عقود من السياسات العمرانية التي ركزت على تقليل استهلاك الطاقة خلال الشتاء، مع إهمال مسألة التبريد صيفا.

وأشارت الصحيفة إلى أنّ برامج الدعم الحكومي، مثل "ما بريم رينوف"، ومعايير البناء الحديثة، شجّعت العزل الحراري من دون منح الأولوية لتجهيز المباني للتعامل مع موجات الحرّ، بينما استوحت المباني الفرنسية الحديثة نماذج شمال أوروبا، بدلا من الاستفادة من التصاميم التقليدية في بلدان متوسطية مثل المغرب وإسبانيا، التي تعتمد الأفنية الداخلية والجدران السميكة والفتحات المحدودة لمقاومة الحرارة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

التبريد.. بين الضرورة والمخاوف البيئية

أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على أجهزة التكييف والمراوح، بعدما أصبحت أولوية لدى كثير من الأسر، حيث ذكرت صحيفة 20 Minutes أن متاجر التجزئة سجلت مبيعات قياسية، إذ باعت مجموعة كارفور ثلاثين ألف مروحة في يوم واحد، بينما أعلنت سلسلة فناك دارتي أنها باعت خلال أسابيع ما يعادل إجمالي مبيعاتها السنوية من المراوح في عام 2025.

لكن خبراء التبريد، الذين نقلت عنهم لو فيغارو، يحذرون من اعتبار التكييف الحل الوحيد. بحسب كريستوف رودريغيز من مبادرة "مدننا عند خمسين درجة"، ينبغي الجمع بين العزل الحراري والتشجير والتكييف، خصوصا في المستشفيات ودور المسنين والمدارس.

كما حذّرت مؤسسة الإسكان الفرنسية من أن التوسع العشوائي في استخدام المكيفات قد يزيد الفوارق الاجتماعية، إذ تستفيد الأسر الميسورة من التبريد بينما تتعرض الأحياء الفقيرة لمزيد من الجزر الحرارية، فضلا عن زيادة استهلاك الكهرباء ورفع حرارة الشوارع نتيجة الهواء الساخن الذي تطرده المكيفات.

وفي المقابل، دعا خبراء إلى توسيع شبكات التبريد الجماعي، واستخدام تقنيات مثل التبريد الليلي، والأسطح البيضاء، والتشجير، باعتبارها حلولا أكثر استدامة على المدى الطويل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

التعليم.. الدراسة والامتحانات تحت ضغط الحرارة

وامتدت آثار موجة الحرّ إلى المدارس، حيث أدّى أكثر من 850 ألف تلميذ امتحانات الشهادة الإعدادية في ظلّ درجات حرارة مرتفعة.

وأفادت صحيفة ليبراسيون بأنّ وزارة التربية اتخذت إجراءات استثنائية، شملت توزيع المياه، والسماح باستراحات إضافية، وإتاحة مغادرة قاعات الامتحان للتبريد عند الحاجة.

ورغم ذلك، اعتبرت نقابات تعليمية أنّ استمرار الامتحانات يشكّل خطرا على التلاميذ والمعلمين، فيما طالبت جمعيات أولياء الأمور بتأجيلها، خاصة أنّ فرنسا سبق أن اتخذت قرارا مماثلا خلال موجة حرّ عام 2019.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الطاقة.. الحرارة تصل إلى المفاعلات النووية

ولم تقتصر تداعيات موجة الحرّ على المواطنين، بل وصلت إلى قطاع الطاقة.

في هذا الشأن، أفاد موقع راديو فرانس أن مؤسسة كهرباء فرنسا أعلنت إيقاف ٣ مفاعلات نووية، أحدها في محطة غولفيش بإقليم تارن وغارون، وآخر في محطة بوجيه بإقليم آن، وثالث في محطة نوجان-سور-سين بإقليم أوب، وذلك لتجنب رفع حرارة الأنهار التي تستخدم في تبريد المفاعلات إلى مستويات قد تضر بالنظم البيئية المائية.

وأوضحت المؤسسة أن استمرار تشغيل المفاعلات كان سيؤدي إلى رفع حرارة مياه النهر بما يهدد النظام البيئي، مشيرة إلى احتمال خفض إنتاج محطات أخرى إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

فرنسا أمام مرحلة جديدة

تكشف موجة الحر الحالية أن التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة أيام استثنائية من الصيف، بل يتعلق بقدرة فرنسا على إعادة تكييف مدنها ومبانيها وخدماتها العامة مع واقع مناخي جديد.

ويرى خبراء تحدثوا إلى لو فيغارو أن استمرار بناء مساكن غير قادرة على مقاومة الحرارة سيؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وتعطيل المدارس والمصانع، وزيادة المخاطر الصحية، مؤكدين أن التكيف مع موجات الحر أصبح قضية وطنية كبرى تتطلب تغييرا في السياسات العمرانية والطاقة والإسكان، قبل أن تصبح آثارها أكثر كلفة في السنوات المقبلة.