لا شكّ في أنّ العراق أمام مفترق طرق كبير، فرئيس الحكومة الجديد، علي الزيدي، لم يتراجع عن تعهّده حصر سلاح الفصائل الإيرانية المسلحة بيد الدولة بأيّ ثمن، بل حدد موعد الـ30 من سبتمبر تاريخا لإنتهاء المهلة.
كذلك حذّرت الحكومة من أنّ أي سلاح منفلت خارج سلطة الدولة بعد التاريخ المذكور سيعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب.
احتمالان أمام العراق
ليكون العراق بهذا أمام احتمالين، الأول وردياً، بأن تستقيظ البلاد بلا سلاح منفلت، لكن الثاني أسود قاتم، في حال تمردت الفصائل واختارت مواجهة الدولة.
ومع مضي الحكومة العراقية في عملية حصر السلاح بيد الدولة، ورغم تأييد "الإطار التنسيقي" لهذا المسار، وتأكيده أن حصر السلاح "مطلب وطني"، رفضت كتائب حزب الله الأمر تماما، ووضعت 3 شروط على الحكومة من أجل "تنظيم السلاح"، وربطت المسألة بالخروج الكامل والحقيقي للقوات الأميركية من الأراضي والأجواء العراقية.
وقالت الكتائب "إن شروطها مع أي حكومة عراقية لتنظيم العمل معها حول السلاح تتمثل بالخروج الكامل والحقيقي للقوات الأميركية من الأراضي والسماء العراقية، وعدم عودتها، وتحرير القرار السياسي والاقتصادي العراقي".
كما اشترطت "إخراج القوات الأميركية من كردستان العراق"، ووضعت شرطا ثالثا ألا وهو "حل قوات البيشمركة الكردية"، معتبرة أنها "الميليشيا الأكثر تسليحاً وخطورة على وحدة العراق، ولها ارتباطات مع الأعداء"، وفق تعبيرها.
لكن تحركات الزيدي لم تأت منفردة، بل بضوء أخضر أميركي، إذ أشاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالحكومة العراقية الجديدة، مؤكدا الشهر الماضي، أنها حققت تغييرا كبيرا خلال فترة زمنية قصيرة، خصوصا في نظرتها إلى الولايات المتحدة، وفق تعبيره.
كذلك رأى حينها، ألا ضرورة لوجود عسكري هناك بعد الآن، خصوصا أن شركات النفط الأميركية تدخل السوق العراقية، وتقيم شراكات واسعة.
هل تسكت إيران؟
يعدّ ملف حصر السلاح بيد الدولة من أبرز القضايا السياسية والأمنية في العراق وهو ما أدّى إلى تنظيم وضع هيئة الحشد الشعبي قانونياً عام 2016 باعتبارها جزءاً من القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، لكن رغم الإطار القانوني لدمج الحشد ضمن مؤسسات الدولة، ظلّ ملف تنظيم السلاح والعلاقة بين الدولة وبعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران من الملفات الحساسة في المشهد العراقي، خصوصا بعد سقوط نظام الأسد وخسارة إيران لسوريا كخط رئيسي عقب إغلاق حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع تلك الأبواب.
ماذا سيحدث؟
ليبقى السؤال، من سيحمي الحدود الشاسعة مع سوريا بعد رحيل التحالف؟ ومن سيملأ فراغ الغطاء الجوي والاستخباراتي للقوات الأميركية الذي استمر لأكثر من 12 عاما مبعدا خطر التنظيمات الإرهابية؟ أما الأهم، ماذا لو لم تسلم الفصائل سلاحها في 30 سبتمبر؟.
عن هذا رأى المحلل السياسي آميد ريحان من أربيل، أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل مهمة شاقة وتحدياً كبيراً أمام حكومة الزيدي، وقد ينذر بأزمة أمنية محتملة مطلع أكتوبر المقبل، خصوصاً في ظل رفض بعض الفصائل المسلحة تسليم سلاحها.
كما اعتقد أن الوضع الأمني في عموم العراق قد يتدهور إذا أصرت هذه الفصائل على الرفض، فبعضها يشترط خروج التحالف الدولي مقابل نزع سلاحه، فيما تتمسك فصائل أخرى بنزع سلاح قوات البيشمركة، لتجعل من ذلك شرطاً لتسليم أسلحتها إلى بغداد.
لكن هذه الشروط تبدو، في جانب منها، أقرب إلى ذرائع لتأجيل أو رفض عملية نزع السلاح، فقوات البيشمركة تؤدي مهام أمنية وعسكرية داخل إقليم كردستان بموجب المادة 121 من الدستور العراقي التي تمنح أربيل حق تشكيل القوات الأمنية وحرس الحدود، ما يجعل نزع سلاح البيشمركة مسألة مختلفة ومعقدة دستورياً وسياسياً.
وبالتالي، رأى ريحان أن استمرار ربط الفصائل تسليم سلاحها بشروط يصعب تحقيقها في المدى القريب قد يبقي ملف السلاح مفتوحاً، ويزيد احتمالات التوتر الأمني، خصوصاً إذا دخلت الحكومة في مواجهة مباشرة مع الفصائل الرافضة.
يذكر أن 3 من كبرى الفصائل المسلحة في العراق، وهي سرايا السلام بزعامة مقتدى الصدر، وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، كانت أعلنت قبل أشهر، تسليم سلاحها للدولة والانخراط في العمل المدني.
فيما يقود رئيس الحكومة حاليا مفاوضات مع خمسة فصائل مسلحة وهي "حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله العراقي، وسرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف" لتسليم سلاحها، علما أن تاريخ انتهاء المهلة يتزامن مع نهاية الوجود العسكري الأميركي وانقضاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.





