في تحول ميداني بارز يعيد رسم خارطة المواجهات العسكرية في جنوب لبنان، أعلنت القوات الإسرائيلية فرض سيطرتها على قلعة الشقيف التاريخية والإستراتيجية.

وجاء هذا الإعلان تزامنا مع بث مقاطع مصورة تظهر رفع العلم الإسرائيلي فوق أسوار القلعة، في خطوة تكرس عملياً القرار الإسرائيلي الأخير بتوسيع العمليات البرية وعمليات التوغل داخل الأراضي اللبنانية.

وتمنح السيطرة على قلعة الشقيف القوات الإسرائيلية نقطة مراقبة على معظم جنوب لبنان وشمال إسرائيل.

لماذا الشقيف؟

لم يكن اختيار قلعة الشقيف كهدف رئيسي للتوغل الإسرائيلي وليد الصدفة، بل يرجع إلى القيمة العسكرية الفائقة التي يمنحها الموقع للطرف المهيمن عليه. ويمكن تفكيك الأبعاد الجغرافية والاستخباراتية لهذه السيطرة على النحو التالي:

  • الارتفاع الشاهق والإشراف البصري: تتربع القلعة في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني على قمة جبلية يتجاوز ارتفاعها 700 متر فوق مستوى سطح البحر.

هذا الارتفاع الاستثنائي يمنح القوة المسيطرة قدرة رصد بصرية ممتدة تكشف مساحات شاسعة وعميقة تصل إلى شمل إسرائيل، مما يجعلها مرصداً طبيعياً مكشوفاً.

  • النطاق الناري القريب: تطل القلعة بشكل مباشر ومكشوف على مستوطنة "المطلة" الإسرائيلية، حيث لا تفصلها عنها سوى مسافة تقل عن 4 كيلومترات، وهو ما يعزز قيمتها الإستراتيجية في توجيه الضربات وتأمين العمق الإسرائيلي.
  • التحكم في خطوط الإمداد والمحاور المائية: تشرف القلعة إشرافاً كاملاً على مجرى نهر الليطاني ومحور النبطية-مرجعيون الحيوي. كما تهيمن النيران انطلاقاً من هذا الموقع على بلدات أرنون، كفرتبنيت، يحمر، وزوطر، وصولاً إلى عمق القطاع الشرقي، مما يعني عملياً القدرة على قطع خطوط الحركة والتحكم في محاور الإمداد والتوجيه العملياتي.
  • محاصرة البلدات الأمامية: يوفر هذا الموقع سيطرة نارية واستخباراتية مباشرة على بلدات الطيبة، دير سريان، والقنطرة، وهي المناطق التي يشهد محيطها تحركات مكثفة وانتشاراً عسكرياً للجيش الإسرائيلي في الوقت الراهن، مما يفسر الإصرار الإسرائيلي الحثيث على إحكام القبضة على القلعة لتأمين قواته المتقدمة.
Image 1
Image 2

ماذا يعني ذلك؟

السيطرة على قلعة الشقيف لا تعني مجرد احتلال نقطة جغرافية مرتفعة، بل تمثل وضع "عين رادارية ونارية" متحكمة في شبكة المواصلات والبلدات المحيطة بالكامل، مما يمنح إسرائيل تفوقاً نوعياً في إدارة العمليات اللاحقة.

ويتمتع هذا الموقع الأثري الذي يعود إلى حقبة الحملات الصليبية كذلك بقيمة رمزية، فقد شكّل قاعدة للقوات الاسرائيلية خلال عقدين من احتلالها لجنوب لبنان حتى العام 2000.

وتتمتع القلعة بمستوى حماية معززة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) منذ العام 2024. وكان وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة حذّر الجمعة في حديث إلى فرانس برس من أن عددا من المواقع الأثرية المهمة في لبنان معرض "لخطر جدي" جراء الغارات الاسرائيلية، ولا سيما قلعة الشقيف.

Image 1

أوامر إخلاء واسعة النطاق

بالتزامن مع السيطرة على هذا الحصن الإستراتيجي، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء عاجلة وصارمة لسكان المناطق الواقعة جنوبي نهر الزهراني في جنوب لبنان.

وتشمل هذه الأوامر مساحات جغرافية واسعة تمتد إلى مسافة تصل لنحو 40 كيلومتراً من شريط الحدود المشتركة.

ويأتي هذا التصعيد الجديد في وقت تخوض الولايات المتحدة مفاوضات للتوصل إلى اتفاق مع إيران التي تشترط وقف الحرب في لبنان.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن الجمعة أن قواته عبرت نهر الليطاني الواقع على بعد نحو 30 كيلومترا من الحدود، وأن جزءا كبيرا من جنوب لبنان أصبح منطقة قتال.

وأعلن الجيش الإسرائيلي الأحد في بيان نشره الناطق باسمه على تلغرام أن قواته "وسّعت هجماتها ضد حزب الله إلى شمال النهر، فيما تتوسع العمليات في هذه الأثناء إلى مناطق إضافية".

وقال إنه شنّ "قبل عدة أيام (..) عملية واسعة في مرتفعات الشقيف ومنطقة وادي السلوقي"، وذلك "في إطار تعزيز السيطرة العملياتية في جنوب لبنان وإزالة التهديد المباشر عن إصبع الجليل وبلدة المطلة".

وأكّد وزير الدفاع الاسرائيلي "نحن مستعدون لسحق حزب الله وإنهاء المهمة: توفير الأمن لسكان الشمال".

"عقاب جماعي"

وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اعتبر السبت أن لبنان يواجه "تصعيدا إسرائيليا خطيرا وغير مسبوق خلال الأيام الأخيرة"، مؤكدا أنه شدد مع رئيس الجمهورية جوزيف عون على "ضرورة تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية للوصول إلى وقف سريع وفعلّي وثابت لإطلاق النار".

واتهم سلام إسرائيل بأنها "تنفّذ سياسة تدمير شامل للمدن والبلدات ولكل مقوّمات الحياة فيها، وتمارس التهجير الجماعي الذي يرقى إلى العقاب الجماعي".

وأكّد في الوقت نفسه أن "على إسرائيل أن تعلم أنها بسياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات لن تكسب لا أمنا ولا استقرارا".

ودافع سلام عن خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل باعتباره الطريق "الأقلّ كلفة" على بلاده، وهو ما يعترض عليه حزب الله بشدّة.

ومن المقرر أن يعقد لبنان واسرائيل جولة محادثات مباشرة جديدة هي الرابعة بينهما في واشنطن في 2 و3 يونيو، بعدما عقد وفدان عسكريان من الطرفين مناقشات في البنتاغون الجمعة، في وقت يصرّ لبنان على مطلب وقف إطلاق النار.