لم تعد فكرة تحويل مصانع السيارات إلى إنتاج المسيّرات والمعدات العسكرية مجرد سيناريو افتراضي، بل أصبحت خيارا تدرسه أو تطبقه بالفعل شركات أوروبية كبرى في ظل تراجع مبيعات السيارات وارتفاع الإنفاق الدفاعي.
لكن بينما تراهن حكومات وشركات على هذا التحول لإنقاذ قطاع يواجه أزمة غير مسبوقة، خرجت اليابان بتحذير لافت، معتبرة أن نقل مصانع السيارات إلى الصناعات العسكرية قد يتحول إلى هدر لأموال دافعي الضرائب، لأن تصنيع المسيّرات يختلف جذريا عن إنتاج السيارات.
وبين الرهان الأوروبي والتحفظ الياباني، يثور سؤال جوهري: هل تمثل الصناعات الدفاعية طوق نجاة لصناعة السيارات، أم أن الفجوة بين القطاعين أكبر مما تبدو عليه؟
أوروبا تراهن على الصناعات الدفاعية
تعاني صناعة السيارات الأوروبية من أزمة هيكلية نتيجة تباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية، واشتداد المنافسة الصينية، وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وفي المقابل، يشهد قطاع الدفاع نموا متسارعا مدفوعا بزيادة الإنفاق العسكري بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات الدولية.
وبحسب CNBC، بدأت شركات مثل رينو وفولكسفاغن ومرسيدس-بنز استكشاف فرص في قطاع الصناعات الدفاعية، في محاولة لاستغلال الطاقات الإنتاجية الفائضة وتعويض تراجع مبيعات السيارات. كما وصف محللو Citi هذا الاتجاه بأنه استراتيجية "أي شيء عدا السيارات".
مصانع السيارات تدخل عالم المسيّرات
وتشير فايننشال تايمز إلى أن رينو وقعت اتفاقات مع شركتي Turgis Gaillard وThales لإنتاج المسيّرات، بينما تجري فولكسفاغن محادثات لتصنيع مكونات أنظمة دفاعية، في حين دخلت مرسيدس في شراكات مرتبطة بتصنيع المسيّرات العسكرية.
كما يؤكد موقع Automotive Manufacturing Solutions أن عددا متزايدا من الشركات الأوروبية يعيد توظيف مصانعه وخطوط إنتاجه الفائضة نحو عقود دفاعية، حيث بدأ مصنع رينو في مدينة لو مان إنتاج دفعة أولى من المسيّرات، بينما يعمل مصنع فولكسفاغن في أوسنابروك على تطوير نماذج لمركبات عسكرية اعتمادا على منصات سيارات تجارية.
اليابان تحذر من "هدر أموال دافعي الضرائب"
حذر الرئيس التنفيذي لشركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيل، إيساكو إيتو، من أن تحويل مصانع السيارات إلى مصانع للمسيّرات قد ينتهي إلى "هدر هائل لأموال دافعي الضرائب".
وأوضح، في تصريحات نقلتها فايننشال تايمز، أن مصانع السيارات صُممت لإنتاج ملايين الوحدات المتطابقة، بينما تتغير مواصفات المسيّرات العسكرية باستمرار وفقا لمتطلبات ساحة المعركة، ما يجعل خطوط الإنتاج التقليدية غير مناسبة لهذا النوع من الصناعات. كما حذر من خطر إنتاج كميات كبيرة من معدات قد تصبح قديمة قبل استخدامها.
لماذا يصعب التحول؟
بحسب تقرير لموقع Automotive Design & Manufacturing، فإن امتلاك مصانع كبيرة لا يعني امتلاك القدرة على تصنيع الأسلحة.
ويشير التقرير إلى أن الصناعات الدفاعية تعتمد على سلاسل توريد مختلفة، ومواد خاصة، وأشباه موصلات دقيقة، وأنظمة اعتماد واختبارات صارمة، فضلا عن موردين متخصصين، وهي متطلبات تختلف جذريا عن صناعة السيارات.
كما أن المصانع الحديثة أصبحت تعتمد على سلاسل توريد عالمية معقدة، ما يجعل إعادة توجيه الإنتاج عملية أكثر صعوبة مما كانت عليه خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانت الشركات أكثر تكاملا في عملياتها الإنتاجية.
هل يمكن أن تنقذ الصناعات الدفاعية قطاع السيارات؟
رغم الفرص التي يوفرها الطلب المتزايد على المعدات العسكرية، يرى محللون أن الصناعات الدفاعية لا تمثل حلا شاملا لأزمة قطاع السيارات.
وتنقل CNBC عن نقابة IG Metall الألمانية أن صناعة السيارات تعتمد على الإنتاج الضخم، بينما يقوم قطاع الدفاع على إنتاج دفعات صغيرة ومتخصصة، ما يعني أن التحول لن يعوض بالكامل تراجع الوظائف أو انخفاض الإنتاج في مصانع السيارات.
كما يشير تقرير MOVEMNT إلى أن الاستراتيجية المزدوجة قد توفر دخلا إضافيا لبعض الشركات، لكنها لا تغني عن ضرورة تطوير قطاع السيارات نفسه لمواجهة المنافسة العالمية، خصوصا من الشركات الصينية.





