تواجه الصناعة الألمانية، التي كانت السيارات عمودها الفقري لعقود، تحولا عميقا تحت ضغط الأزمات المتراكمة، من تراجع السوق الأوروبية إلى المنافسة العالمية.

وفي هذا السياق، لم يعد قطاع الدفاع مجرد خيار ثانوي، بل أصبح مسارا استراتيجيا لإعادة توجيه القدرات الصناعية.

وفقا لصحيفة ليزيكو، تتجه شركات السيارات الألمانية بشكل متزايد نحو الصناعات العسكرية كوسيلة لمواجهة الأزمة وإعادة بناء نموذجها الاقتصادي.

أزمة السيارات تدفع نحو البحث عن بدائل

تعكس التطورات الأخيرة حجم الضغوط التي تواجهها الصناعة الألمانية، حيث تعاني الشركات من خسائر كبيرة وإعادة هيكلة واسعة.

وتظهر هذه الأزمة بوضوح في حالات مثل شركة ZF Friedrichshafen التي أعلنت خسائر تصل إلى 2.1 مليار يورو، مع خطط لتسريح آلاف الموظفين، فيما سجلت شركة Schaeffler خسائر بـ424 مليون يورو، ما دفعها للبحث عن مجالات جديدة للنمو.

هذا التراجع، إلى جانب المنافسة الصينية والتحول نحو السيارات الكهربائية، دفع الشركات إلى استكشاف قطاعات أكثر استقرارا وربحية، وعلى رأسها الدفاع.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تحولات ملموسة.. من المصانع إلى مشاريع السلاح

في مدينة أوسنابروك، اختبرت شركة فولكسفاغن إنتاج مركبات عسكرية داخل أحد مصانعها، في محاولة لتأمين مستقبل المصنع الذي يضم نحو 2300 موظف، مع توجه نحو التصنيع حسب الطلب لشركات الدفاع.

وذكرت صحيفة فاينانشال تايمز، نقلا عن مصادر مطلعة، أن شركة فولكسفاغن تجري محادثات مع شركة رافائيل الإسرائيلية لأنظمة الدفاع المتقدمة بشأن صفقة من شأنها تحويل إنتاج مصنع فولكسفاغن بمدينة أوسنابروك الألمانية من السيارات إلى أنظمة الدفاع الصاروخي.

وذكر التقرير أن الخطة ستشهد تحولا لتصنيع مكونات القبة الحديدية، وهي منظومة الدفاع الجوي التي تنتجها الشركة الحكومية الإسرائيلية.

كما أبدت شركات دفاع كبرى مثل راينميتال وKNDS اهتماما بالموقع، في مؤشر على تقاطع متزايد بين القطاعين.

وفي سياق متصل، وقّعت شركة ZF عقدا لتطوير نظام دفع هجين للدبابة الأوروبية المستقبلية MGCS بالتعاون مع رولز رويس، ما يعكس انتقال خبراتها من السيارات إلى المعدات العسكرية.

أما شركة Schaeffler، فقد دخلت مباشرة في قطاع الدفاع عبر عقد مع شركة Helsing لتزويدها بمحركات الطائرات المسيّرة ضمن برنامج كبير للجيش الألماني، كما تخطط لإنشاء شركة فرعية مخصصة لهذا النشاط في ميونيخ.

منظومة صناعية جديدة.. من الليزر إلى الطائرات المسيّرة

يتجاوز التحول مجرد إعادة توجيه الإنتاج، ليشمل بناء منظومة صناعية دفاعية جديدة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.

دخلت شركة Trumpf، المتخصصة في تقنيات الليزر، في شراكة مع Rohde & Schwarz لتطوير أنظمة دفاعية تعتمد على إسقاط الطائرات المسيّرة باستخدام أشعة الليزر، بتكلفة تقل عن دولار واحد لكل عملية إطلاق، وفق تصريحات مسؤولي الشركة.

كما تجري الشركة محادثات مع شركاء أوروبيين، من بينهم تاليس الفرنسية، لتوسيع نطاق التعاون في هذا المجال، ما يعكس بعدا أوروبيا متناميا لهذا التحول.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وبحسب اتحاد الصناعات الألمانية، فإن نحو 80% من الشركات المدنية ترى أن تقنياتها يمكن استخدامها في قطاع الدفاع، ما يشير إلى تحول واسع النطاق يتجاوز الشركات الكبرى ليشمل شبكة الموردين الصناعية بالكامل.

ورغم ذلك، لا يخلو المسار من تحديات، إذ تواجه الشركات صعوبات في فهم متطلبات السوق العسكرية والتعامل مع معاييرها التنظيمية المعقدة.

وتكشف هذه التحولات أن ألمانيا لا تشهد مجرد تنويع اقتصادي، بل إعادة صياغة عميقة لنموذجها الصناعي.

مع تراجع السيارات، يتقدم قطاع الدفاع كبديل استراتيجي، مدعوما بالخبرات الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة. لكن هذا التحول، رغم زخمه، يظل عملية طويلة ومعقدة، تعكس انتقال الاقتصاد الألماني من الطرق إلى ساحات المعركة.