في شوارع طهران، لم تعد مشاهد الازدحام في البازار الكبير تعكس حركة اقتصاد حي بقدر ما تعكس محاولات يومية للبقاء. رجال يدفعون عربات صغيرة محملة بالبضائع القليلة، متاجر تفتح أبوابها لساعات محدودة، وموظفون فقدوا وظائفهم فجأة بعد أشهر من الحرب والانقطاع الطويل للإنترنت.

في أحد مكاتب التكنولوجيا بالعاصمة الإيرانية، جلس بابك، وهو مصمم منتجات يبلغ 49 عاما، أمام مديره ليستمع إلى قرار فصله من العمل. لم يكن السبب تراجع أدائه، بل لأن شركته لم تعد قادرة على العمل بعد قطع الإنترنت وتعطل قطاع التكنولوجيا بالكامل.

وقال بابك لصحيفة نيويورك تايمز: "طوال حياتي عملت بجد وحاولت أن أتطور، لكنني اليوم أجد نفسي في وضع غامض وغير مؤكد". وبعد أشهر قليلة، اضطر هو وزوجته إلى بيع سيارتيهما ومجوهراتهما لتغطية نفقات الحياة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هذه القصة لم تعد حالة فردية، فبحسب تقارير غربية، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة توصف بأنها الأخطر منذ سنوات، مع تداخل الحرب والعقوبات والتضخم والانهيار النقدي وانقطاع الإنترنت في أزمة واحدة تهدد بإسقاط قطاعات كاملة من الاقتصاد الإيراني.

اقتصاد منهك قبل الحرب.. ثم جاءت الضربة الكبرى

بحسب تقرير لسي إن إن، لم تبدأ الأزمة الاقتصادية الإيرانية مع الحرب الحالية، بل كانت البلاد تعاني بالفعل من تدهور اقتصادي عميق نتيجة العقوبات والتضخم والفساد وسوء الإدارة. وأشار التقرير إلى أن متوسط دخل الفرد الإيراني تراجع من نحو 8 آلاف دولار عام 2012 إلى حوالي 5 آلاف دولار فقط بحلول عام 2024.

أما موقع بوليتكس توداي فاعتبر أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دفعت الاقتصاد الإيراني "الهش أصلا" إلى أزمة أكثر عمقا، مع توسع البطالة والفقر في مختلف أنحاء البلاد. ونقل الموقع عن تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 4.1 ملايين إيراني قد يسقطون تحت خط الفقر بسبب تداعيات الحرب.

كما وضحت نيويورك تايمز أن الغارات الأميركية والإسرائيلية استهدفت مواقع صناعية وبنى تحتية ومنشآت تنتج مواد خام أساسية، بالتزامن مع حصار أميركي على الموانئ الإيرانية أدى إلى تعطيل جزء كبير من الصادرات النفطية والواردات التجارية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ونقلت الصحيفة عن نائب وزير العمل الإيراني غلام حسين محمدي قوله إن الحرب تسببت في خسارة مليون وظيفة بشكل مباشر، إضافة إلى بطالة غير مباشرة طالت مليوني شخص آخرين.

كما سجلت منصات التوظيف الإيرانية أرقاما قياسية في طلبات العمل، بينها 318 ألف سيرة ذاتية تم تقديمها خلال يوم واحد فقط، بحسب موقع عصر إيران.

المصانع تتوقف.. والانكماش يضرب القطاع الصناعي

أدت الضربات، بحسب سي إن إن، التي استهدفت مصانع البتروكيماويات والصلب إلى نقص واسع في المواد الخام، ما دفع شركات عديدة إلى تقليص الإنتاج أو إيقافه بالكامل.

ونقل التقرير عن شركة مارال صنعت لصناعة المقطورات أنها سرحت 1500 عامل بسبب نقص الصلب، بينما قامت شركة بروجرد للنسيج بفصل نحو 700 موظف. كما علقت مصانع ألبان عملياتها نتيجة نقص مواد التغليف المستوردة.

كما أشارت نيويورك تايمز إلى أن بعض المصانع الإيرانية أصبحت "تعمل بالاسم فقط"، أي أنها تبقي أبوابها مفتوحة شكليا دون إنتاج فعلي. ونقلت عن بهرام زنوبي تبار، رئيس مجلس عمالي محلي في محافظة فارس، قوله إن بعض الوحدات الصناعية تعمل بشكل شبه متوقف فقط للحفاظ على وجودها القانوني.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما نقلت الصحيفة عن مهدي بستانجي، رئيس مجلس تنسيق الصناعات في إيران، تحذيره من أن الانكماش الصناعي قد يؤثر على ما يصل إلى 3.5 ملايين عامل في البلاد.

ويقول الخبير الاقتصادي هادي كهال زاده، من معهد كوينسي، في تصريحات نقلتها بوليتكس توداي، إن تعطل الشحنات والواردات قد يضع ما يصل إلى نصف الوظائف الإيرانية في دائرة الخطر، مع دفع مزيد من السكان نحو الفقر.

الإنترنت يتحول إلى سلاح اقتصادي

جاءت الصدمة الكبرى الأخرى من الانقطاع الواسع للإنترنت داخل إيران. ووفقا لنيويورك تايمز، فإن القطاع الرقمي الإيراني، الذي كان يعد أحد أكثر القطاعات الواعدة، "أصبح على ركبتيه" بعد أشهر من القيود الحكومية على الإنترنت.

ونقلت الصحيفة عن جماعات ضغط تمثل قطاع التكنولوجيا أن خسائر الاقتصاد الرقمي الإيراني نتيجة الانقطاع تصل إلى 80 مليون دولار يوميا. كما سرحت شركة ديجي كالا، التي توصف بأنها "أمازون إيران"، مئات الموظفين بسبب الأزمة.

وأعلنت شركة كامفا الإيرانية للتجارة الإلكترونية إغلاقها بالكامل. وقال مؤسسها هادي فرناود في بيان نشره عبر منصة إكس: "بعد حربين وأشهر من انقطاع الإنترنت، أصبح من المستحيل الاستمرار".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من جهتها، سلطت سي إن إن الضوء على تأثير الأزمة الرقمية على النساء العاملات من المنازل. ونقلت عن مدرسة لغة ألمانية تدعى سومية قولها إن المنصات المحلية تنهار باستمرار وإن الطلاب لم يعودوا قادرين على حضور الدروس بشكل طبيعي. وقالت: "لم يعد أي شيء يعمل كما ينبغي".

كما أشار موقع بوليتكس توداي إلى أن النساء يمثلن نحو ثلث طلبات إعانات البطالة المقدمة منذ بداية الحرب، بسبب اعتماد نسبة كبيرة منهن على العمل عبر الإنترنت.

الدولار ينهار والتضخم يلتهم الإيرانيين

لم تعد الأزمة الاقتصادية مرتبطة فقط بفقدان الوظائف، بل أيضا بانهيار القوة الشرائية للإيرانيين. في هذا الشأن، ذكر تقرير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أن سعر الدولار في السوق الحرة تجاوز 180 ألف تومان، بعدما تضاعف أكثر من مرتين خلال أقل من عام.

كما نقل التقرير عن وسائل إعلام إيرانية أن التضخم الغذائي بلغ 115 بالمئة، في وقت بقيت فيه قيمة المساعدات الحكومية ثابتة عند مستويات غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأوضح التقرير أن متوسط راتب موظفي وزارة الزراعة الإيرانية يبلغ نحو 24 مليون تومان فقط، بينما يتراوح خط الفقر الحضري بين 70 و75 مليون تومان.

كما أشار موقع بوليتكس توداي إلى أن التضخم السنوي الرسمي بلغ 72 بالمئة خلال مارس، مع ارتفاع أكبر في أسعار المواد الأساسية والسلع الغذائية.

وفي الوقت نفسه، نقلت سي إن إن عن صحيفة "اطلاعات" الإيرانية المحافظة تحذيرها من أن البلاد تواجه "وضعا كارثيا ومعقدا" قد يفرض على الحكومة تطبيق "اقتصاد حرب" كامل لإدارة الأزمة.

الاحتجاجات والانقسامات السياسية.. اقتصاد يهدد النظام نفسه

بدأت الأزمة الاقتصادية تتحول تدريجيا إلى أزمة سياسية وأمنية داخلية. فبحسب تقرير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، ظهرت خلافات داخل أجنحة النظام، مع انتشار شائعات عن استقالة الرئيس مسعود بزشكيان، وتبادل الاتهامات بين المقربين من الحرس الثوري والتيارات المتشددة حول إدارة المفاوضات والحرب.

وأشار التقرير إلى أن وسائل إعلام قريبة من الحرس الثوري دخلت في سجالات حادة بشأن أداء فريق التفاوض النووي، بينما دعا مسؤولون وقضاة إلى تشديد القمع ضد من يتهمون بـ"إثارة الانقسام". كما تحدث التقرير عن حملات اعتقال طالت عربا سنة في خوزستان، وسط تصاعد المخاوف من انفجار اجتماعي جديد.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بدورها، أكدت نيويورك تايمز أن الغضب الشعبي الذي أشعل احتجاجات السنوات الماضية لا يزال قائما، رغم القمع الدموي الذي واجه تلك التحركات. ونقلت عن المرشد الإيراني دعوته الشركات إلى تجنب تسريح العمال "قدر الإمكان"، في إشارة تعكس حجم القلق داخل النظام من تحول الأزمة الاقتصادية إلى تهديد سياسي مباشر.

وتشير التقارير إلى أن الاقتصاد الإيراني لم يعد يواجه أزمة عابرة، بل حالة استنزاف شاملة تضرب العملة والوظائف والإنتاج والقدرة الشرائية والثقة بالمستقبل في آن واحد. وبينما تصر طهران على أن الضغوط لن تدفعها إلى التراجع، تشير الأرقام والتقارير وشهادات الإيرانيين أنفسهم إلى أن البلاد باتت تتحرك فوق خط اقتصادي رفيع يفصل بين البقاء والانهيار.