كان الإنترنت وعداً بمساحة تجمع البشر وتحفظ معارفهم وذكرياتهم. لكن وسط تدفق الإعلانات والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، بات الوصول إلى ما يستحق القراءة أكثر صعوبة، فيما تختفي صفحات وتجارب شخصية ظن أصحابها أنها ستبقى طويلاً.

هذا التحول، من فضاء للتواصل والاكتشاف إلى منصات تتنافس على استنزاف الانتباه، يتناوله مقال نشرته مجلة "وايرد"، من خلال كتاب الصحافي والتقني جون ويست "سيموت الإنترنت، وستموت أنت أيضاً: تعلّم العيش في عصرنا الرقمي".

ولا يقصد ويست أن الشبكة على وشك الانطفاء، بل يناقش هشاشة عالمها وتلاشي مجتمعاتها وأرشيفاتها، وما إذا كان تراجع صورتها الحالية قد يفتح المجال أمام مساحات أكثر إنسانية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من التواصل إلى استنزاف الانتباه

يعرض المقال مشهداً رقمياً تتزايد فيه المخاوف بشأن الخصوصية والصحة النفسية وآليات الاستخدام التي تشجع على الإدمان، بالتوازي مع قيود على الهواتف في المدارس واستخدام القاصرين لمنصات التواصل.

ويضيف الذكاء الاصطناعي التوليدي طبقة أخرى إلى هذا المشهد، إذ يتيح إنتاج كميات ضخمة من المحتوى منخفض الجودة، وملء المنشورات والتعليقات بمواد يصعب أحياناً تمييز مصدرها أو غايتها.

وفي هذا المناخ، يبرز "طُعم الغضب": محتوى يُصاغ لاستفزاز المستخدمين ودفعهم إلى التعليق والمشاركة. ويصف المقال اقتصاداً تصبح فيه ردود الفعل الغاضبة وسيلة لتحقيق الإيرادات، بصرف النظر عن قيمة ما يُنشر.

ويرى ويست أن صناع المحتوى يجدون أنفسهم في منافسة مرهقة مع حسابات تستطيع استخدام البرمجيات لإنتاج مواد أكثر بكلفة وجهد أقل، بينما تكافئ الخوارزميات القدرة على جذب الانتباه.

ذاكرة رقمية لا تضمن البقاء

لكن أزمة الإنترنت، بحسب ويست، تتجاوز نوعية المحتوى إلى الاعتقاد بأنه أرشيف دائم للمعرفة والتجارب البشرية.

ويستعيد تجربتين شخصيتين تلخصان هشاشة هذا الاعتقاد. فقد أنشأ في سنوات الدراسة موقعاً عن الرسوم المتحركة اليابانية، ثم أراد حذفه لاحقاً، لكنه فقد الوصول إلى حسابه القديم. بقي الموقع، محاطاً بإعلانات مزعجة وروابط معطلة.

أما مدونته الجامعية، التي كان يرغب في الاحتفاظ بها، فضاع العام الأخير من منشوراتها بعدما توقف عن دفع رسوم اسم النطاق.

تختصر التجربتان مفارقة يكررها ويست: ما نريده أن يدوم قد يختفي، وما نتمنى اختفاءه قد يستمر طويلاً.

ولا تقتصر الخسارة على الذكريات الشخصية. فبحسب الدراسات التي يستشهد بها الكتاب، وجد تحليل لروابط مقالات موقع "نيويورك تايمز" المنشورة بين عام 1996 ومنتصف 2019 أن ربعها لم يعد متاحاً. وأشارت دراسة أخرى نُشرت عام 2016 إلى تغيّر محتوى الصفحات التي تحيل إليها ثلاثة أرباع الإحالات المدروسة في مقالات علمية.

ومع تعطل الروابط أو تبدّل محتواها، تصبح العودة إلى الأدلة والمراجع الأصلية أكثر صعوبة.

مساحات صغيرة تستعيد المعنى

رغم هذه الصورة، لا يرى ويست أن الإنترنت فقد كل إمكاناته. فهو يشير إلى مساحات لا تحظى باهتمام واسع، مثل مقاطع يوتيوب شبه الخالية من المشاهدات، حيث يغني أشخاص لمجرد الاستمتاع، ومجلات تنشر الشعر وتتداوله دون إيرادات.

بالنسبة إليه، تُظهر هذه الأمثلة أن التواصل والإبداع ما زالا ممكنين، بعيداً عن الضغط المستمر لتحويل كل نشاط إلى أرقام ومكاسب.

ويدعو إلى إعادة التفكير في الوجهة التي يمنحها المستخدمون لوقتهم وطاقتهم، بدلاً من التعامل مع المنصات المهيمنة باعتبارها الشكل الوحيد الممكن للحياة الرقمية.

فالإنترنت بصورته الحالية لن يختفي قريباً، كما يقر المقال، لكن بقاءه لا يعني دوام الشركات والمنصات التي تتحكم فيه اليوم. وبين اختفاء مجتمعات قديمة وظهور أخرى، يظل احتمال بناء مساحات أكثر إنسانية قائماً، وإن كان تحقيقه يتطلب أكثر من الحنين إلى بدايات الشبكة.