انخفضت نسبة الاتصال بالإنترنت في إيران إلى نحو 1% من مستواها الطبيعي، ما يعني أن البلاد تكاد تكون خارج الشبكة بالكامل، في واحدة من أطول عمليات قطع الإنترنت على مستوى العالم، وفق تقديرات نت بلوكس، بحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز.

وجاء هذا الإجراء بعد اندلاع الحرب، في خطوة سريعة من السلطات لفرض السيطرة على الداخل وقطع التواصل مع الخارج، ما وضع نحو 90 مليون إيراني في عزلة رقمية غير مسبوقة .

لكن هذا القرار لم يكن تقنيا فقط، بل تحول إلى أداة سياسية وأمنية ذات كلفة اقتصادية واجتماعية واسعة، كشفت حجم اعتماد المجتمع الإيراني على الإنترنت، وحدود البدائل التي تطرحها الدولة، بحسب فايننشال تايمز.

لماذا قطعت إيران الإنترنت؟

تحركت السلطات الإيرانية بسرعة لفرض قيود شاملة على الإنترنت بعد الهجمات، مبررة القرار بمخاوف أمنية من هجمات سيبرانية، وفق ما صرح به مسؤولون حكوميون.

واعتبر نائب وزير الاتصالات إحسان تشيتساز أن هذه الإجراءات ساعدت في "الحفاظ على استقرار الاتصالات الداخلية".

لكن هذا النمط ليس جديدا، إذ دأبت طهران على استخدام قطع الإنترنت في لحظات الأزمات، سواء خلال الاحتجاجات أو في فترات التصعيد العسكري.

ويشير مراقبون إلى أن الهدف يتجاوز الأمن الرقمي، ليشمل السيطرة على تدفق المعلومات ومنع تسريب الصور والفيديوهات إلى الخارج، خاصة مع تهديد السلطات بملاحقة من يستخدم الشبكة لنشر محتوى لوسائل إعلام معارضة.

كما أن القيود لم تكن متساوية، إذ استمرت فئات محددة مثل المسؤولين وبعض رجال الأعمال ووسائل الإعلام في الوصول إلى الإنترنت، ما يعكس طابعا انتقائيا في تطبيق الحظر.

اقتصاد مشلول.. عندما تختفي الشبكة

كان الأثر الاقتصادي لقطع الإنترنت فوريا وعميقا، خاصة في بلد يعتمد فيه نحو 85% من السكان على الشبكة في حياتهم اليومية، بحسب بيانات البنك الدولي .

وتوضح شهادات من الداخل حجم الصدمة، إذ قال أحمد، وهو صاحب متجر كتب عبر الإنترنت في طهران، إن مبيعاته تراجعت من نحو 10 كتب يوميا إلى بضع نسخ أسبوعيا فقط، ما اضطره إلى تسريح عدد من الموظفين.

كما أشارت فاطمة، وهي مصممة أزياء، إلى أن مبيعاتها انهارت تقريبا، مع اعتمادها على زبائن محدودين تعرفهم مسبقا.

وتتجاوز الأزمة الأفراد إلى الاقتصاد ككل، حيث أوضح رئيس اتحاد شركات الإنترنت في طهران أن نحو 10 ملايين وظيفة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالاقتصاد الرقمي أصبحت مهددة.

وفي محاولة للتكيف، لجأ الإيرانيون إلى "شبكة المعلومات الوطنية"، وهي نسخة محلية مغلقة من الإنترنت توفر خدمات محدودة مثل التطبيقات المصرفية والمنصات المحلية. إلا أن هذه الشبكة لم تتمكن من تعويض الخدمات العالمية، إذ تعاني من بطء شديد ومشاكل تقنية، كما تفتقر الشركات إلى أدوات العمل الأساسية المرتبطة بالخدمات السحابية العالمية.

عزلة رقمية.. مجتمع مقطوع عن العالم

لم يقتصر تأثير قطع الإنترنت على الاقتصاد، بل امتد إلى الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية. فمع انقطاع الاتصال، فقد ملايين الإيرانيين إمكانية الوصول إلى الأخبار الخارجية، أو التواصل مع العالم.

وتظهر الشهادات الفردية حجم هذه العزلة، إذ قال مدرس لغة إن دخله تراجع إلى الصفر تقريبا بعد توقف الدروس عبر الإنترنت، بينما أشار أحد الشباب إلى فقدانه التواصل مع أصدقائه حول العالم الذين كان يلتقيهم عبر الألعاب الإلكترونية.

كما ارتفعت أسعار خدمات الالتفاف على الحظر مثل شبكات VPN بشكل كبير، ما جعلها بعيدة عن متناول كثيرين، في حين شددت السلطات إجراءاتها ضد استخدام أجهزة ستارلينك، مع مصادرة مئات الأجهزة واعتقال العشرات.

وبينما تؤكد الحكومة أن القيود مؤقتة، فإن غياب جدول زمني واضح لإعادة الإنترنت يزيد من حالة القلق، خاصة في ظل تجربة سابقة من الانقطاعات المتكررة.