في ظل تشديد العقوبات الدولية والضربات الأمنية المتلاحقة، لم تعد الفصائل المرتبطة بإيران في الشرق الأوسط تعتمد على التمويل التقليدي عبر النقد والتهريب والحوالات غير الرسمية، فقط.

أظهرت تقارير متخصصة ووثائق إنفاذ أميركية وتحليلات شركات تتبع البلوك تشين أن جماعات مثل الحوثيين وحزب الله وحماس وفصائل الحشد الشعبي في العراق طورت خلال السنوات الأخيرة أدوات مالية رقمية تساعدها على نقل الأموال، وجمع التبرعات، وشراء المعدات، وإعادة بناء شبكاتها بعد الضربات العسكرية والمالية.

بحسب تقرير نشره موقع Global Watch Arabia، تحولت الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط من قوى عسكرية إلى شبكات مالية خفية قادرة على التكيف مع العقوبات، من خلال الاقتصاد الموازي والتمويل الرقمي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ويكشف التقرير أن العملات الرقمية، مثل بيتكوين وغيرها من العملات المشفرة، أصبحت من بين الأدوات الرئيسة لتجاوز القيود على التحويلات المالية، خصوصا في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مع استفادة الجماعات المسلحة من ضعف الرقابة المصرفية ومنصات التبرعات الإلكترونية والتحويلات غير القابلة للرصد بسهولة.

من العقوبات إلى اقتصاد الظل

يفيد تقرير Global Watch Arabia بأن العقوبات الدولية لم توقف نشاط الفصائل المسلحة المدعومة من إيران في الشرق الأوسط، بل دفعتها إلى تطوير أدوات جديدة للحفاظ على عملياتها العسكرية وتوسيع نفوذها، عبر الاقتصاد الموازي والتمويل الرقمي والتجارة غير المشروعة.

ويشير التقرير إلى أن انهيار النظام الاقتصادي في لبنان عزز شبكات مالية مرتبطة بالميليشيات، بينما استغل الحوثيون في اليمن انهيار مؤسسات الدولة لبناء شبكات تفرض ضرائب غير رسمية وتمول العمليات العسكرية والخدمات الاجتماعية.

وفي سوريا، أفرزت الحرب أسواقا سوداء وفّرت مصادر تمويل وسيطرة على الموارد، فيما لعبت القبائل والمجتمعات المحلية في العراق وشمال سوريا دور الوسيط في إدارة التحويلات المالية، بما قلل الاعتماد على النظام المصرفي الرسمي.

ويوضح التقرير أن العملات المشفرة لا تمثل بديلا كاملا للنظام المالي التقليدي، بل تشكل طبقة إضافية فوق شبكات قائمة من الحوالة والتهريب والتجارة غير المشروعة، بما يمنح الجماعات المسلحة مرونة أكبر في الالتفاف على العقوبات واستمرار تدفق الأموال.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

إيران.. القاعدة المالية الأوسع

تصف تقارير عدة إيران بأنها طورت بنية مالية هجينة تجمع بين الشبكات التقليدية والمسارات الرقمية للالتفاف على العقوبات.

بحسب Insight Threat Intelligence، دمجت طهران العملات المشفرة في أدواتها المالية لدعم اقتصادها وتمويل حلفائها، بينهم حزب الله وحماس والحوثيون.

ويشير التقرير إلى أن المحافظ المؤكدة المرتبطة بشبكات الوكلاء الإيرانيين سجلت نشاطا على البلوك تشين تجاوز ملياري دولار في السنوات الأخيرة، مع ترجيح أن يكون الرقم الفعلي أكبر، كما ارتفعت حصة الحرس الثوري من منظومة العملات المشفرة الإيرانية إلى 50% في الربع الأخير من عام 2025.

وتضيف وول ستريت جورنال أن ممول النظام الإيراني بابك زنجاني أنشأ شبكة دفع سرية استخدمت منصة Binance لإبقاء الأموال متدفقة إلى القوات العسكرية الإيرانية.

ووفقا لتقارير امتثال داخلية في منصة، نفذت شبكته معاملات بقيمة 850 مليون دولار خلال عامين، معظمها عبر حساب تداول واحد، بينما تدفقت مليارات الدولارات عبر Binance إلى شبكات تمول الحرس الثوري خلال العامين السابقين للحرب الأميركية الإيرانية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما نقلت الصحيفة، استنادا إلى تحليل شركة لبيانات البلوك تشين، أن نحو107 ملايين دولار انتقلت عبر عدة مراحل من محافظ للبنك المركزي الإيراني إلى حسابات على Binance في عام 2025. ونقلت عن زنجاني قوله إنه دعا محافظ البنك المركزي إلى نقل "كل المعاملات المصرفية إلى البلوك تشين"، فيما أكدت Binance أنها تتبع سياسة "صفر تسامح" مع أي نشاط غير مشروع.

الحوثيون.. من الموانئ إلى المحافظ الرقمية

تمثل جماعة الحوثي أحد أبرز نماذج دمج التمويل التقليدي بالرقمي، إذ تدير، بحسب Global Network on Extremism and Technology، الجماعة منظومة مالية متعددة المصادر تشمل الرسوم الجمركية والضرائب والتهريب وعائدات البحر الأحمر والحوالة والعملات المشفرة.

تقول منصة Elliptic إن العناوين الـ٨ لمحافظ رقمية مدرجة على قائمة العقوبات تعمل جميعها على شبكة Tron، وأن معظم تعاملاتها تتم بعملة Tether وUSDT مع اعتماد واسع على خدمات تداول خارج البورصات داخل اليمن وخارجه، وعلاقات غير مباشرة مع Huione Pay، وهي شركة كمبودية لخدمات الدفع والصرافة، المرتبطة بمنصة التجارة الإلكترونية Huione Guarantee في كمبوديا.

ويضيف تقرير Global Network on Extremism and Technology أن Huione Pay حولت 39 مليون دولار إلى الحوثيين في إحدى العمليات عبر مزود خدمات أصول افتراضية غير معروف.

وترى TRM Labs أنّ استخدام الحوثيين للعملات المشفرة ما زال أقلّ من جماعات مثل حماس وداعش، لكنه أصبح أداة مهمة لتمويل العمليات العسكرية وشراء المعدات واستدامة سيطرتهم في ظل العقوبات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتوضح Jerusalem Post، نقلا عن محلل الشبكات أمين جميل، أن الحوثيين يعتمدون على شبكة Tron وعملة USDT لانخفاض كلفة التحويل وسرعته وثبات قيمة العملة، فيما تمر الأموال عبر محافظ مؤقتة ومنصات ضعيفة الرقابة قبل تحويلها إلى نقد عبر شبكات صرافة محلية ودولية.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤول فني في YemenNet قوله إن الحوثيين يستغلون خوادم الشركة وبنيتها التحتية لتوجيه قوة حوسبة نحو تعدين العملات المشفرة لصالح شخصيات وكيانات حوثية، مع الإشارة إلى أن هذه المزاعم لم يتم التحقق منها بشكل مستقلّ.

حزب الله.. من الحوالة والتهريب إلى USDT

في حالة حزب الله، تمثل العملات المشفرة امتدادا لشبكات تمويل أقدم تشمل تهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاغون، إلى جانب شبكات النفط والغاز والماس والتهريب، وفق دراسة لجامعة نافارا الإسبانية.

وتوضح الدراسة أن العملات المشفرة جذبت الحزب لما توفره من سرية ولامركزية ووصول عالمي، فيما أفادت إسرائيل بأن حزب الله والحرس الثوري بدآ استخدامها لتمويل النشاطات اليومية، كما كشفت عملية أمنية في الأرجنتين عام 2024 عن محفظة رقمية مرتبطة بشخص على صلة بالحزب.

وتورد TRM Labs حالة الصراف السوري اللبناني توفيق محمد سعيد اللو، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأميركية عقوبات في مارس 2024 لتوفيره محافظ رقمية لحزب الله لتلقي عائدات مبيعات مرتبطة بقوة القدس، وتسهيله تحويلات لمسؤولين بالحزب خاضعين للعقوبات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتقول الشركة إن عنوانه على شبكة Tron نفذ أكثر من ألف معاملة مرتبطة بعشرات الملايين من الدولارات، معظمها بعملة USDT. كما تشير Chainalysis إلى أنّ إسرائيل عطّلت في يونيو 2023 بنية تمويل رقمية مرتبطة بحزب الله وقوة القدس وصادرت 1.7 مليون دولار، فيما أوضحت TRM أنّ قائمة الحجز شملت 40 عنوان محفظة على شبكة Tron، كان العنوان الرئيس منها تحت سيطرة اللو، مع روابط بكيانات في إيران وسوريا والعراق وقطاع غزة.

وتربط Global Network on Extremism and Technology هذه الشبكات بامتدادات حزب الله في أميركا اللاتينية، ولا سيما في فنزويلا ومنطقة الحدود الثلاثية بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي، مشيرة إلى أن الحزب انتقل تدريجيا من تجارة الذهب والتهريب وغسل الأموال إلى استخدام USDT وغسل الأموال القائم على التجارة.

حماس.. أرقام كبيرة وتحذيرات من سوء القراءة

تمثل حماس الحالة الأكثر إثارة للجدل في ملف التمويل الرقمي. فبحسب خدمة أبحاث الكونغرس الأميركية، بدأت كتائب عز الدين القسام طلب تبرعات بالعملات المشفرة منذ عام 2019 على الأقل. وفي عام 2020، أعلنت وزارة العدل الأميركية تفكيك شبكات تمويل إلكترونية للقسام والقاعدة وداعش، في "أكبر مصادرة آنذاك لحسابات عملات مشفرة مرتبطة بالإرهاب"، شملت ملايين الدولارات وأكثر من 300 حساب عملات مشفرة و٤ مواقع إلكترونية و٤ صفحات على فيسبوك.

وقال وزير العدل وليام بار إن "الجماعات الإرهابية تستخدم التكنولوجيا والعملات المشفرة لتسهيل أجنداتها"، فيما أكد وزير الخزانة ستيفن منوشين ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي كريستوفر راي استمرار ملاحقة تمويل الإرهاب عبر الوسائل الرقمية.

وفي أكتوبر 2023، ذكرت وول ستريت جورنال ، نقلا عن BitOK، أن محافظ مرتبطة بحماس تلقت نحو 41 مليون دولار، بينما تلقت محافظ ربطتها إسرائيل بحركة الجهاد 93 مليون دولار بين أغسطس 2021 ويونيو 2023، بحسب Elliptic.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تحقق في معاملات عملات مشفرة بقيمة 165 مليون دولار قد تكون ساعدت في تمويل حماس قبل هجمات أكتوبر 2023. لكن Elliptic أوضحت لاحقا أن هذه الأرقام لا تعني أن حماس أو الجهاد جمعا هذه المبالغ، إذ إن بعض المحافظ تعود إلى وسطاء أو مزودي خدمات استخدمهم أكثر من طرف، مؤكدة أن التبرعات العلنية التي تلقتها حماس عبر العملات المشفرة كانت محدودة مقارنة بمصادر تمويلها الأخرى.

وتدعم TRM Labs هذا التقييم، إذ ترى أن تمويل الإرهاب بالعملات المشفرة ما زال محدودا مقارنة بالوسائل التقليدية. وأشارت إلى أن مجموعة GazaNow الداعمة لحماس جمعت نحو 800 ألف دولار منذ أغسطس 2021، لكنها تلقت أقل من 5 آلاف دولار بعد هجمات أكتوبر، فيما أعلنت كتائب القسام في أبريل 2023 وقف تلقي تبرعات بيتكوين لحماية المتبرعين. ويضيف Bloomsbury Intelligence and Security Institute أن العملات المشفرة أدت خلال حرب غزة دورا مزدوجا، إذ استخدمت في المساعدات الإنسانية والحملات الأيديولوجية، كما استخدمت في تمويل جماعات مسلحة، مشيرا إلى أن إسرائيل تصادر منذ عام 2021 محافظ مرتبطة بمنظمات في غزة، وهو ما يجعل العملات المشفرة منطقة رمادية تجمع بين الاستخدام المدني والعسكري.

العراق وسوريا.. السيطرة على الاقتصاد الرقمي

لا تظهر فصائل الحشد الشعبي والجماعات العراقية في الوثائق فقط كمستخدم محتمل للعملات المشفرة، بل كقوى تسعى إلى السيطرة على البنية الرقمية نفسها.

في تقرير Combating Terrorism Center في وست بوينت، يقول مايكل نايتس إن الاقتصاد الرقمي العراقي أصبح من أسرع القطاعات نموا، مدفوع بزيادة الشباب والتحول إلى الخدمات الحكومية الإلكترونية واحتمال تحول العراق إلى مركز عبور بيانات إقليمي.

ويحذر التقرير من أن جماعات مصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة انجذبت إلى قطاع الاتصالات كما انجذبت سابقا إلى قطاع النفط، بدافع توليد أموال للتهديدات، والسيطرة على البيانات ومراقبتها لتعزيز قبضتها على السكان وعلى البعثات الدبلوماسية والعسكرية والتجارية الغربية داخل العراق.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لماذا تيثر وترون؟

تتكرر في الوثائق أسماء USDT وTron أكثر من غيرهما. السبب، بحسب محللين وردت آراؤهم في تقارير من بينها Jerusalem Post، أن USDT يوفر استقرارا نسبيا لأنه مرتبط بالدولار، فيما توفر شبكة Tron رسوما منخفضة وسرعة تحويل عالية. هذه الخصائص تجعلها جذابة لمن يريد نقل قيمة مالية بسرعة عبر الحدود من دون المرور بالنظام المصرفي التقليدي.

لكن هذه الميزة لها جانب معاكس. فالشركات المتخصصة في تتبع البلوك تشين تؤكد أن الشفافية التقنية للعملات المشفرة تسمح، في حالات كثيرة، بتتبع الأموال وتجميدها، خاصة عندما تمر عبر منصات مركزية أو عملات مستقرة يمكن لمصدريها التعاون مع السلطات.

وتقول Elliptic إن ضعف العملات المشفرة كأداة تمويل إرهابي يكمن في إمكانية تتبعها وربطها بهويات حقيقية في بعض الأحيان، إضافة إلى اعتماد المستخدمين على منصات مركزية يمكنها تجميد الأموال. وقد أعلنت Tether سابقا تجميد 32 عنوانا مرتبطا بالإرهاب والحرب في إسرائيل وأوكرانيا، بما جمّد 873118 دولار من الأصول.