يشهد سباق الذكاء الاصطناعي العالمي تحولا متسارعا مع تزايد الاستثمار في مجالي الدفاع والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، حيث لم يعد التطور التقني مقتصرا على الشركات المدنية، بل أصبح جزءا من الاستراتيجيات الأمنية للدول.
وفي ورقة بحثية نشرها المعهد الملكي للشؤون الدولية البريطاني (تشاتام هاوس)، أكدت الباحثة، كاتيا بيجو، أنه غالبا ما يُصور سباق الذكاء الاصطناعي على أنه منافسة بين الولايات المتحدة والصين، مع فرص ضئيلة أو معدومة لبقية الدول للحاق بهما، غير أن التوترات الجيوسياسية والاتجاهات الحديثة نحو الابتكار المدفوع بالدفاع والسيادة التكنولوجية قد تغير هذا الافتراض قريبا. فهل تقود هذه الديناميكيات إلى صناعة عالمية للذكاء الاصطناعي أكثر تسليحا؟
تدهور النظام الأمني العالمي
توضح الباحثة أنه مع تدهور النظام الأمني العالمي، تزداد مخاوف الدول حول العالم من أن الاعتماد المفرط على الآخرين في التقنيات المحورية مثل الذكاء الاصطناعي يشكل مصدر ضعف مقلق في عالم أكثر عدائية وتعاملا بمنطق الصفقات.
وتقول بيجو إن هذا القلق أدى إلى سعي عدد متزايد من الدول إلى بدائل بوتيرة أكثر إلحاحا، حتى وإن لم تكن هذه الحلول دائما في طليعة الأداء التقني.
وترى بيجو أن هذه الديناميكيات قد تقود إلى صناعة عالمية للذكاء الاصطناعي أكثر تسليحا وأشد تجزئة، ما سيجعل من الصعب على القوتين الحاليتين المهيمنتين السيطرة على سلسلة القيمة أو على الانتشار الأوسع للتكنولوجيا.
سوق متعددة الأقطاب للذكاء الاصطناعي
في ورقتها البحثية تستعرض بيجو عدة اتجاهات مهمة تسارعت خلال العام الماضي، وقد تدفع نحو تحول إلى سوق متعددة الأقطاب للذكاء الاصطناعي.
تقول إنه مع بدء دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة عبر مختلف قطاعات الاقتصاد تقريبا، ستزداد مركزية هذه التكنولوجيا في المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية.
ووفق البحث، فقد تحمل بعض جوانب إعادة التشكيل هذه فوائد؛ إذ أن سوق ذكاء اصطناعي أكثر تنوعا جغرافيا قد تفتح مصادر جديدة للتمويل والابتكار.
كما ستساعد الجهات الفاعلة في القطاع الخاص في الأسواق الأصغر حاليا على المنافسة بشكل أفضل مع نظيراتها في الولايات المتحدة والصين، وقد تضفي مزيدا من الحيوية على تطوير الذكاء الاصطناعي عموما، مع تدفق الأفكار من مصادر أكثر تنوعا تعكس نطاقا أوسع من الاحتياجات والرؤى، وفق بيجو.
تنويع السوق واللامركزية
تقول بيجو إن تنويع السوق ولامركزيتها لتكنولوجيا قد تكون تحولية مثل الذكاء الاصطناعي، بعيدا عن دولتين فقط، وكذلك عن عدد محدود من الشركات المهيمنة فيهما، سيقلل من النفوذ والقدرة على التحكم في مسار تطوير التكنولوجيا، ويحد من إمكانية توظيف الاعتماد المتبادل كسلاح.
وقد يؤدي التوجه العالمي الحالي نحو السيادة التكنولوجية إلى سوق ابتكار عالمية، خاصة في التقنيات ذات الأهمية الجيوسياسية الكبيرة مثل الذكاء الاصطناعي.
ويشير البحث إلى أنه مقابل هذا التحول، ستستفيد الشركات المحلية عبر إبراز طابعها السيادي، حيث قد يزداد الطلب عليها من الحكومات والقطاع الخاص في أسواقها المحلية أو الأسواق المتحالفة معها.
إلا أن بيجو توضح أن التوجه نحو السيادة قد يصبح أيضا مصدر احتكاك للشركات التي تشتري وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالها. برأيها، فقد يُنظر إلى دفع "تكلفة السيادة" باعتباره ضرورة تجارية، خاصة إذا تصاعد الضغط الحكومي أو المجتمعي. وقد تلجأ الحكومات إلى إجراءات أكثر إلزاما لإجبار القطاع الخاص على اعتماد بدائل محلية بدلا من مزودي الذكاء الاصطناعي الأجانب الرئيسيين.
وترى بيجو في ورقتها البحثية أن الشركات قد تواجه ضغوط مقايضة صعبة، إذ قد تضطر عند اختيارها حلولا سيادية، سواء بدافع وطني أو استجابة لضغوط، إلى التخلي عن أكثر الحلول تقدما تقنيا في نظرها.
وتقول إنه رغم أن التكنولوجيا "الجيدة بما فيه الكفاية" قد تعزز النظام التقني المحلي، فإن التحول الاستراتيجي نحو حلول أقل نضجا قد يؤثر، خاصة على المدى القصير، في قدرة الاقتصاد على الاستفادة الكاملة من فرص الذكاء الاصطناعي.
ومع تزايد الطابع الأمني لقطاع الذكاء الاصطناعي، واعتبار التخلف فيه تهديدا وجوديا اقتصاديا وأمنيا، ستتراجع رغبة الحكومات في فرض قيود تنظيمية على تطوير هذه التكنولوجيا، بحسب بيجو.
وتضيف الباحثة أن هذه الديناميكيات قد تؤدي إلى زخم أوسع نحو تخفيف القيود وزيادة التباين في المقاربات التنظيمية. وتقول إنه في سوق متعددة الأقطاب، ستتمكن دول أكثر من التحول إلى منتجين للتكنولوجيا وصانعي قواعد، بدلا من الاكتفاء بدور المتلقين الذين يعتمدون على التنظيم للتأثير في مسارها، وبالتالي، قد تتغير الحوافز المرتبطة بالتنظيم.
وتشير بيجو أن هذا قد يؤدي إلى مشهد تكنولوجي عالمي أكثر تجزؤا وأقل عولمة، حيث تعمد الدول إلى تقييد الوصول إلى أسواقها التكنولوجية وتطوير معايير وأطر تنظيمية بديلة، ما قد يجعل الأنظمة التقنية غير متوافقة فيما بينها.





