يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم ينتظر استجابة الأوكرانيين لدعوته لهم لاختيار رئيس جديد "قادر على إبرام اتفاق" كما قال ينهي الحرب المستمرة مع روسيا منذ نحو خمس سنوات، وتجاهل ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخرج ليعلن عن اتفاق بين أوكرانيا وروسيا للتوقف فورا عن استهداف مصافي النفط في البلدين.
تطور لا يمكن قراءته بمنأى عن مطالبة ترامب قبلها بأربع وعشرين ساعة برحيل زيلينسكي وبعد أقل من 48 ساعة على اتفاقه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توريد موسكو الديزل للأسواق الأميركية والعالمية مقابل رفع بعض العقوبات عن روسيا، ما دفع محللين إلى القول إن "رجل الصفقات" وضع مصلحة بلاده فوق أي اعتبار وبحث عن ما يخدم سياسته بغض النظر عن أي حسابات أخرى، بحسب أسوشيتد برس.
اتفاق يفاجئ زيلينسكي
فبشكل مفاجئ ودون أي مقدمات، كتب ترامب في منشور على منصة تروث سوشيال الأحد أن الجانبين توصلا إلى اتفاق، وأنه "اعتبارا من الآن، هناك وقف لإطلاق النار في الحرب بين روسيا وأوكرانيا . وافق الطرفان على ذلك. لا تخرقوه!".
زيلينسكي قال إنه فوجئ بالإعلان، لكنه أبدى استعدادا للموافقة على الطرح الأميركي، شريطة أن تكون الهدنة متبادلة وبـ"ضمانات حقيقية"، أي إجراءات عقابية ضد موسكو من قبل حلفاء كييف، بما في ذلك واشنطن، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية.
وصرح الرئيس الأوكراني لموقع أكسيوس: "إذا كان الرئيس ترامب قد تفاوض مع بوتين، فأخبرونا متى يبدأ وقف إطلاق النار، نحن مستعدون وسنقبله".
غارات بعد الهدنة
ورفض زيلينسكي في وقت سابق دعوة واشنطن إلى كييف لوقف قصف مصافي النفط الروسية، قائلا إن على موسكو إنهاء الهجمات على البنية التحتية للطاقة في بلاده أولا.
وبينما لم تظهر أي مؤشرات على التزام الكرملين بوقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب، شكك زيلينسكي في نوايا موسكو، مشيرا إلى استمرار الضربات الروسية "الوحشية"، ومنها عدة غارات جوية استهدفت البنية التحتية للطاقة.
وقال الرئيس الأوكراني إن الروس استهدفوا محطة توليد الطاقة الحرارية رقم 5 في مدينة خاركيف شرق أوكرانيا، في أحدث هجوم من بين أكثر من 200 غارة استهدفت هذا الأسبوع منشآت لتوليد ونقل الكهرباء في أوكرانيا.
وأضاف أن هناك 17 غارة أخرى استهدفت منشآت الغاز والنفط، حسبما نقلت الغارديان.
الخلاف الأكثر خطورة
ويرى مراقبون أن العلاقات المتوترة أساسا بين واشنطن وكييف ازدادت احتقانا يوم الجمعة عندما أعلن ترامب رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسي . واعتبر أن هذه الخطوة من شأنها خفض أسعار الوقود العالمية والمحلية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي الشهر المقبل.
ووصفت الغارديان الخلاف العلني الحاد بأنه الأكثر خطورة بين الولايات المتحدة وأوكرانيا منذ العام الماضي، عندما انتقد ترامب زيلينسكي في المكتب البيضاوي.
مغريات لروسيا
بينما نقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن مسؤولين أوروبيين لم تسمهم، أن الولايات المتحدة تهدد بوقف نظام المشتريات الذي يزود أوكرانيا بالأسلحة، للضغط على كييف لوقف ضرباتها التي تستهدف البنية التحتية الروسية للطاقة.
وفي السياق، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن مسؤولين أميركيين عرضوا على الكرملين حوافز اقتصادية مغرية مقابل وقف إطلاق النار.
وتشير التقارير إلى أن هذه الحوافز تشمل الإفراج عن المليارات من الأصول السيادية الروسية المجمدة.
كما أعادت إدارة ترامب النظر في خطة لبيع أجزاء من شركة الطاقة الروسية لوك أويل.
ترامب يضحي بزيلينسكي؟
ويرى مسؤولون أوكرانيون أن البيت الأبيض يطالب كييف بالتخلي عن سلاحها "الأكثر فعالية"، دون أن يطالب موسكو بأي تنازلات في المقابل. وفي الأسابيع الأخيرة، وجهت كييف ضربة قوية للاقتصاد الروسي، حيث قصفت مجمعات نفطية ومستودعات ومراكز بيانات.
أما القصف الروسي فلا يهدأ، وقال زيلينسكي إن الحملة الجوية التي تشنها موسكو تشمل آلاف القنابل الجوية والطائرات بدون طيار.
وبينما يرى كثيرون أن صفقة الديزل جعلت ترامب يضحي بزيلينسكي ووضعت الأخير في مأزق حقيقي يفاقم مشكلاته الداخلية، اعتبر رئيس لجنة الشؤون الخارجية الأوكرانية، أولكسندر ميريزكو، أن مطلب ترامب "الاستبدادي" باستقالة زيلينسكي جاء بنتيجة عكسية وعزز مكانته في الداخل، بعد فضائح الفساد التي لاحقته مؤخرا.
ترامب يقف إلى جانب بوتين؟
ورأى ميريزكو أن "خطة بوتين هي قطع رأس زيلينسكي وإزاحته كقائد في زمن الحرب، ترامب يقف إلى جانب بوتين".
ولم يخف خشيته من أن تكون رؤية ترامب للعالم هي السبب وراء هذا الوضع، "إنه يريد إبرام صفقات مع بوتين. بالنسبة له، تبدو أوكرانيا عقبة يجب إزالتها. ترامب وبوتين يرغبان في الضغط علينا لإجبارنا على الاستسلام".
وفي إشارة إلى اتفاقية عدم الاعتداء الشهيرة التي وقعت في موسكو في 23 أغسطس عام 1939 بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية، وسميت باسم وزيري خارجية البلدين فياتشيسلاف مولوتوف ويواخيم فون ريبنتروب، قال ميريزكو: "نحن نتجه نحو معاهدة مولوتوف - ريبنتروب جديدة، ونحو عالم من الرجال الأقوياء ومناطق النفوذ".
ورفع ميريزكو راية التحدي في وجه ترامب، قائلا إن "أوكرانيا ستواصل تدمير مصافي النفط التابعة للعدو (روسيا)، رغما عن رغبة الولايات المتحدة، لأنها تمول آلة الحرب الروسية"، على الرغم من اعترافه بأن وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الأميركية مع كييف ، وهو ما هددت به إدارة ترامب، من شأنه أن "يعمي" أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية. وقال: "سيكون هذا عملا من أعمال التواطؤ مع الإبادة الجماعية التي يرتكبها بوتين. وسيعني ذلك مزيدا من القتلى بين المدنيين والأطفال".
ويشكك كثيرون في نجاح "هدنة الطاقة" التي أعلنها ترامب، بينما يعول آخرون على نجاحها للمساعدة في تهدئة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية في ظل الصراعات الحالية التي قفزت بأسعار المحروقات لمستويات قياسية، ويرون أن مثل هذه الهدنة تمثل انفراجة دبلوماسية هائلة قبيل حلول فصل الشتاء.





