لا يبدو وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل كمسار يمهّد لتهدئة ثابتة، بل كإطار هشّ تتحرك داخله الحرب على أكثر من جبهة.
ففي وقت تستضيف واشنطن محادثات أمنية بين ممثلين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين، تعلن إسرائيل عبور قواتها نهر الليطاني، وتوسّع ضرباتها في الجنوب والبقاع وبيروت، بينما يتلقى الشمال الإسرائيلي صواريخ جديدة من لبنان.
وسط هذا المشهد، يعود السؤال الأخطر، هل يمكن دفع لبنان إلى نزع سلاح حزب الله من دون أن ينفجر الداخل؟
الليطاني تحت النار
بحسب تايمز أوف إسرائيل ونيويورك تايمز، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن القوات الإسرائيلية "عبرت الليطاني" وتقدمت إلى مناطق مسيطرة، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي يعمل أيضًا في بيروت والبقاع وعلى امتداد الجبهة، ويوجه ضربات قوية لحزب الله.
وجاء ذلك فيما كان مسؤولون عسكريون من لبنان وإسرائيل يجتمعون في البنتاغون، ضمن مسار أمني ترعاه الولايات المتحدة، على أن تُعقد جولة سياسية منفصلة لاحقًا.
لكن لبنان، وفق ما نقل مكتب الرئيس اللبناني، جوزيف عون، يعتبر أن وقف إطلاق النار هو "مدخل أساسي" لأي خطوة أخرى.
في المقابل، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إن "خط الدفاع الأمامي" لا يقيّد الجيش، وإن القوات ستتحرك حيثما ترى تهديدًا أو حاجة عملياتية.
ووفق i24، تعمل إسرائيل أيضًا على الحفاظ على حرية عملها في لبنان حتى في ظل أي اتفاق، وتريد ضمان حرية عمل ضد إيران لمواجهة التهديد الصاروخي.
كريات شمونة تسأل عن الأمن
على الجانب الإسرائيلي، لم تُقنع التصريحات سكان الشمال. فبحسب معاريف والقناة 12 ويديعوت أحرونوت، أُطلق نحو 15 صاروخًا خلال الليل باتجاه بلدات الشمال، وسُجلت إصابة مباشرة في مركز تجاري بكريات شمونة، من دون وقوع إصابات، لكن مع أضرار كبيرة.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه دمّر منصة الإطلاق التي استخدمها حزب الله. غير أن الغضب المحلي تصاعد. نائب رئيس بلدية كريات شمونة قال إن المدينة لم تعرف وقف إطلاق نار "ولو للحظة"، وهدد بإعادة عضويته في مركز الليكود إذا لم تأتِ الحكومة بحلول. أما رئيس مجلس المطلة فوصف ما يجري بأنه "ليلة أخرى من التخلي"، معتبرًا أن وقف إطلاق النار موجود "هناك فقط".
العقدة اللبنانية
في العمق، لا تقف الأزمة عند حدود الصواريخ والضربات. فبحسب نيويوركر، تحاول الدولة اللبنانية إظهار قدرتها على كبح حزب الله، بعدما حظرت عملياته العسكرية وطلب رئيس الحكومة نواف سلام تسليم سلاحه واتخاذ إجراءات ضد المخالفين. لكن إحدى أولى القضايا ضد 3 مقاتلين في الحزب انتهت بغرامة بسيطة، بعدما أُوقفوا وهم ينقلون أسلحة وذخائر نحو الجبهة.
وتشير المجلة إلى أن الجيش اللبناني بدأ سابقًا مرحلة حذرة من نزع السلاح، شملت إخلاء مستودعات وتعطيل أنفاق ومواقع صواريخ، غالبًا بموافقة حزب الله. لكن الضغط الأميركي والإسرائيلي لتسريع المسار يصطدم بخشية لبنانية من مواجهة داخلية، خصوصًا أن الحزب يرفض بحث سلاحه قبل وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الجنوب، فيما تقول إسرائيل إنها لن تنسحب قبل نزع سلاحه.
أطفال وتراث تحت الضربات
الكلفة لا تقتصر على السياسة والأمن. وفق تايمز أوف إسرائيل، قالت اليونيسف إن 15 طفلًا قُتلوا و62 أصيبوا في لبنان خلال أسبوع، فيما حذّرت منظمة الصحة العالمية من تضرر القطاع الصحي وصعوبة الوصول إلى الرعاية جنوب الليطاني.
أما المونيتور، فأشار إلى أن ضربات إسرائيلية قرب آثار صور أثارت مخاوف على معالم تاريخية مدرجة أو محمية من اليونسكو، وسط إدانات لبنانية رسمية وتحركات دبلوماسية للمطالبة بوقف الهجمات.
هكذا تبدو محادثات واشنطن أمام اختبار صعب، إسرائيل تريد حرية حركة ونزع سلاح حزب الله، لبنان يطلب وقف النار أولًا، وحزب الله يربط السلاح بالانسحاب الإسرائيلي.
وبين هذه الشروط المتقابلة، يتحول وقف إطلاق النار من طريق إلى الحل إلى ساحة جديدة لإدارة الحرب.





