كوكب الأرض الذي نجا من اصطدامات لكويكبات، ومن الكوارث البركانية، والعصور الجليدية، والتغيرات الهائلة في سطوع الشمس، بقي رغم ذلك صالحا للسكن لمليارات السنين.
علماء طرحوا نظريات حول ما إذا كانت الحياة نفسها ساهمت في الحفاظ على ملاءمة الكوكب للحياة ضمن سياق فرضية "غايا"، التي طورها عالم الكيمياء البريطاني جيمس لوفلوك في سبعينيات القرن الماضي والتي يقترح فيها أن كوكب الأرض وأنظمته الحية تعمل ككائن حي واحد، أو نظام معقد ذاتي التنظيم يسمح باستمرار الحياة، وفق تقرير لمجلة ساينس ألرت.
غير أن السؤال الأكثر إثارة للقلق الذي طرحه التقرير هو: هل يُحدث البشر تغييرا كوكبيا قد يُدمرنا، بينما يُهيئون في الوقت نفسه ظروفا ملائمة لأي حياة قد تأتي بعدنا؟
الكوكب بحاجة لذكاء بشري جماعي
بحسب التقرير، تساءل بعض الباحثين عما إذا كان بإمكان البشرية أن تُصبح جزءا من شكل أكثر وعيا من التنظيم الكوكبي.
ووصفت دراسة أُجريت عام 2022 الأرض بأنّها تمتلك "غلافا تقنيا غير ناضج"، وأنه رغم أن تقنياتنا تتمتع بقوة كافية لتغيير كوكب الأرض بأكمله، لكن ذكاءنا الجماعي لم يبلغ بعدُ مستوى متقدما يسمح لنا بالسيطرة على العوائق، وفق التقرير.
ويفيد التقرير بأنه إذا كانت الأرض تُشبه نظاما ذاتي التنظيم وفق فرضية غايا، فمن المثير افتراض أن الكوكب سيُصلح الضرر الذي يُسببه البشر أو ربما قد يُنظم النظام نفسه بطرق كارثية على بعض سكانه.
فحرق الوقود الأحفوري وتدمير النظم البيئية قد يؤدي إلى تغيير الغلاف الجوي والمحيطات والمناخ على نطاق كوكبي ويفاقم المشكلة الصلية على سبيل المثال.
كما يشير التقرير إلى أنّ ذوبان الجليد يكشف عن أرض ومياه داكنة تمتص المزيد من ضوء الشمس، مما يُسبب مزيدًا من الاحترار.
لذلك، تساءل بعض الباحثين عما إذا كان بإمكان البشرية أن تُصبح جزءًا من شكل أكثر وعيا من التنظيم الكوكبي.
وكما ذكر موقع ساينس أليرت سابقًا، يوجد ذكاء على الأرض، لكن البشرية لم تصل بعد إلى شكل ناضج من الذكاء الكوكبي.
ويرى التقرير أنّ الأرض ستستجيب للتغيرات التي نتسبب بها، لكن استجابتها لن تكون بالضرورة مصممة لإنقاذنا.
كوكب "ديزي وورلد" الخيالي
لفهم فرضية لوفلوك التي طورها مع عالمة الأحياء الدقيقة الأميركية لين مارغوليس، يفيد التقرير، بأن فرضية غايا تتماهى إلى حدّ ما مع أداء جسد الإنسان، فعندما ترتفع درجة حرارتك، تتعرّق. وعندما تنخفض، ترتجف، فالجسم يُجري تعديلات مستمرة للحفاظ على ظروفه الداخلية ضمن نطاق آمن، في عملية تُسمى بالتوازن الداخلي.
ووفق التقرير، بنفس هذه الآلية، تُساعد الكائنات الحية التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي في تجديد الأكسجين في الغلاف الجوي، كما تُنتج الكائنات الدقيقة وتُحوّل الغازات والمركبات التي تشمل الميثان والنيتروجين والكبريت وعناصر أخرى، بحيث تُعيد العمليات البيولوجية مجتمعة تشكيل الغلاف الجوي وتركيب سطح الأرض الكيميائي باستمرار، من دون أن يدرك أيٌّ من هذه الكائنات ما يفعله، والنتيجة هي شبكة هائلة من حلقات التغذية التي تربط الحياة والهواء والماء والصخور.
ولإثبات كيف يمكن أن ينشأ ما يُشبه التنظيم الكوكبي من دون ذكاء، طوّر لوفلوك نموذجا لكوكب خيالي يُدعى ديزي وورلد وهو موطن لنوعين فقط من الحياة: زهور الأقحوان السوداء وزهور الأقحوان البيضاء.
بحسب التقرير فزهور الأقحوان السوداء تمتص ضوء الشمس وتدفئ محيطها، بينما تعكس زهور الأقحوان البيضاء ضوء الشمس وتبرده. عندما يبرد الكوكب، تزدهر زهور الأقحوان السوداء وتساعد في تدفئته. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتفوق زهور الأقحوان البيضاء وتساعد في تبريده.
غير أن هذه الفرضية واجهت معارضين. فقد أشار علماء الأحياء إلى أنه إذا بدت الكائنات الحية وكأنها تنظم الكوكب "لصالح" الحياة ككل، فإن الانتقاء الطبيعي لا يقدم آلية واضحة لإنتاج ذلك، فالانتقاء يعمل على الأفراد داخل النوع الواحد، وليس على الكواكب، وفق التقرير.





