منذ ظهور الإنسان الأول وتطور الجنس البشري عبر آلاف السنين، كان معدل ثاني أكسيد الكربون في الهواء لا يتجاوز 300 جزء في المليون، حيث استقى الباحثون هذه البيانات من تحليل حفريات الكساء النباتي للأرض وفقاعات الهواء التي ظلت حبيسة بين كتل الثلوج عبر آلاف السنين.
وقد ظلت هذه النسبة مستقرة إلى حد كبير على امتداد التاريخ، ولكن مع تقدم الحضارة وانتشار النشاط الصناعي حول العالم، بدأت هذه النسبة في الارتفاع بشكل مطرد.
الباحثون يشيرون إلى أن هذه النسبة ارتفعت في السنوات الخمسين الأخيرة من 340 جزءا في المليون عام 1980 إلى 420 جزءا في المليون عام 2025، مع استمرار تصاعد كميات ثاني أكسيد الكربون في الهواء بواقع جزئين في المليون سنوياً بفعل الأنشطة البشرية التي تتعلق بحرق الوقود الحفري باختلاف أنواعه.
ومع ارتفاع معدلات ثاني أكسيد الكربون في الهواء، لا يجد الإنسان المعاصر بديلا سوى استنشاق المزيد من هذا الغاز رغم ما ينطوي عليه ذلك من آثار على الصحة العامة للجسم.
نتائج البحث
توصل فريق من الباحثين في أستراليا إلى أن تغير المناخ وما يرتبط به من ارتفاع معدلات ثاني اكسيد الكربون في الهواء قد بدأ بالفعل يترك بصمته على دماء الإنسان، حيث وجدوا تغيرات في دلالات ثاني أكسيد الكربون في الدم ولاحظوا أنها مستمرة في الصعود نحو الحد الاقصى المسموح به صحيا لدى الإنسان.
وأكد الباحثون أن الأطفال والمراهقين هم الفئة العمرية الأكثر تضرراً من هذه الظاهرة بسبب التأثير التراكمي الطويل في ظل الزيادة المطردة لهذا الغاز في الغلاف الجوي للأرض.
ووجد الباحثون من معهد أبحاث الطفولة وجامعة كورتين والجامعة الوطنية في أستراليا بعد تحليل نتائج دراسة سكانية أميركية استمرت على مدار عشرين عاماً ونشرتها الدورية العلمية Air Quality, Atmosphere and health المعنية بدراسة تأثير التغيرات المناخية على صحة الإنسان أن العديد من قياسات التركيب الكيميائي للدم البشري تغيرت على مدار سنوات مع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون في الهواء.
واعتمدت الدراسة على فحص نتائج تحليل دم تخص حوالي سبعة آلاف شخص كل عامين خلال الفترة ما بين 1999 و2020.
ورصد الباحثون زيادة في معدلات مصل البيكربونات، وهي مادة كيميائية ترتبط بمستوى ثاني أكسيد الكربون في الدم، بنسبة تصل إلى 7 بالمئة مع انخفاض مستويات الكالسيوم والفوسفور في الدم خلال نفس الفترة، وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه تركيزات ثاني أكسيد الكربون من 369 جزءا في المليون عام 2000 إلى أكثر من 420 جزءا اليوم.
وأكد رئيس فريق الدراسة ألكسندر لاركومب أن هذا النسق ربما يدل على أن الجسم البشري بدأ بالفعل يستجيب للتغيرات المناخية.
وأضاف لموقع "نيتشر" المتخصص في الأبحاث العلمية: "ما نراه الآن هو تغير تدريجي في كيمياء الدم كانعكاس لزيادة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بسبب ظاهرة تغير المناخ".
ويقول لاركومب إنه "إذا ما استمر الاتجاه الحالي، تشير النماذج العلمية إلى أن متوسط البيكربونات في الدم قد يستمر في الارتفاع إلى الحد الأقصى المسموح به صحيا في غضون خمسين عاما، مع انخفاض الكالسيوم والفوسفور إلى الحد الأدنى المسموح بحلول أواخر القرن الحالي".
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن تغير المناخ لم يعد مشكلة تهدد البيئة فقط، بل تهدد أيضا صحة الإنسان على المدى الطويل على نحو يستدعي التعاطي معها دون تأخير أو تهاون.





