لطالما بدت اللحظة التي تستعيد فيها رائحة أو نكهة واحدة ذكرى قديمة وكأنها سحر لا تفسير له. قطعة حلوى مغموسة في الشاي أعادت الكاتب الفرنسي مارسيل بروست إلى طفولته، فتحولت تلك اللحظة الأدبية إلى واحدة من أشهر صور الذاكرة الحسية في الأدب.

وبعد أكثر من قرن، يعتقد علماء أعصاب فرنسيون أنهم اقتربوا من تفسير ما يحدث داخل الدماغ عندما تعيدنا رائحة مألوفة فجأة إلى زمن بعيد، وفق صحيفة ذا تايمز.

وبحسب دراسة أجراها باحثون من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ونشرت في مجلة PLOS Biology، فإن بعض الروائح التي نصادفها في السنوات الأولى من الحياة قد تترك أثرا عصبيا يستمر لعقود، قبل أن تنتقل ذكراها تدريجيا من مناطق الشم إلى الدوائر الدماغية المرتبطة بالعاطفة والذاكرة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لماذا تبقى بعض الروائح معنا طوال العمر؟

كانت نقطة البداية سؤالا بسيطا: لماذا تختفي معظم الروائح التي نعرفها في طفولتنا من ذاكرتنا، بينما يمكن لرائحة واحدة أن تعيد إلينا مشهدا كاملا بعد عشرات السنين؟

تقول الدكتورة ناتالي مانديرون، مديرة في مركز ليون لعلوم الأعصاب وأحد المشاركين في الدراسة، إن الباحثين كانوا يعرفون منذ فترة طويلة أن البشر يحتفظون بذكريات شمية من مرحلة الطفولة، لكن الأساس العصبي لهذه الظاهرة ظل غير واضح.

استطلع الفريق ذكريات أكثر من 600 شخص مرتبطة بالروائح والمذاقات في طفولتهم، قبل الانتقال إلى تجارب على 272 فأرا صغيرا.

فيما اختار الباحثون الفئران لأن نظامها الشمي يشبه بدرجة كبيرة النظام الموجود لدى البشر.

وخلال التجربة، تعرضت الفئران الصغيرة لروائح ممتعة أثناء وجودها في بيئة غنية بالألعاب والطعام وفئران أخرى.

وعندما وصلت إلى مرحلة الشباب، أظهرت تفضيلا واضحا لرائحة السترونيلا التي ارتبطت لديها بتلك البيئة الممتعة.

أما الفئران التي لم تحصل على البيئة نفسها، فلم تبد اهتماما خاصا بالرائحة في مرحلة البلوغ.

كما اكتشف الباحثون أن تكرار التعرض للرائحة خلال الطفولة كان ضروريا حتى تصبح جزءا من الذاكرة طويلة الأمد.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

خلايا عصبية تولد بعد الولادة وتحفظ الذكرى

ظهرت المفاجأة الأكبر عندما تمكن العلماء من فحص أدمغة الفئران بطريقة لا يمكن تطبيقها على البشر.

وجد الباحثون أن مجموعة من الخلايا العصبية في البصلة الشمية، وهي منطقة رئيسية لمعالجة الروائح، تؤدي دورا لم يكن معروفا من قبل في تخزين ذكريات الطفولة المرتبطة بالروائح.

وتوضح مانديرون أن هذه الخلايا غير اعتيادية، لأنها لا تتشكل كلها عند الولادة، بل يتطور بعضها خلال الفترة التي تلي الولادة، ثم تستمر في البقاء طوال حياة الحيوان.

ومع انتقال الفئران إلى مرحلة البلوغ، لاحظ الباحثون تغيرا في طريقة تخزين الذكرى. فبدلا من اعتمادها بشكل أساسي على البصلة الشمية، تنتقل الذكرى تدريجيا إلى الجهاز الحوفي، وهو مجموعة من مناطق الدماغ ترتبط بالعاطفة والذاكرة.

ولفتت مانديرون إلى أن الخلايا العصبية الموجودة في البصلة الشمية "تنفصل تدريجيا" عن الذكرى، بينما تنتقل الأخيرة نحو الجهاز الحوفي.

وقد يساعد هذا التحول، بحسب الباحثين، في تفسير سبب تحول ذكريات الروائح القديمة إلى تجارب شديدة الارتباط بالحنين والمشاعر مع مرور الوقت.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

من مادلين بروست إلى ذاكرة عمرها عقود

هنا يعود الأدب إلى العلم. ففي عام 1913، وصف بروست في روايته "البحث عن الزمن المفقود" كيف أعادت قطعة مادلين مغموسة في الشاي إلى الراوي ذكريات طفولته في كومبراي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت "مادلين بروست" رمزا للحظة التي تقود فيها حاسة إلى استعادة الماضي بشكل مفاجئ ومكثف.

لا تثبت الدراسة الجديدة أن دماغ الإنسان يعمل بالطريقة نفسها تماما التي يعمل بها دماغ الفأر، لكنها تقدم آلية عصبية محتملة لواحدة من أكثر ظواهر الذاكرة البشرية إثارة.

وتشير النتائج إلى أن الذكريات المرتبطة بالروائح لا تحفظ مجرد معلومات عن الماضي، بل يمكن أن ترتبط ببيئة كاملة ومشاعر عاشها الإنسان في مرحلة مبكرة من حياته.

ومع مرور السنوات، قد تصبح هذه الروابط أكثر عاطفية، وهو ما يفسر لماذا تستطيع رائحة عطر قديم، أو طعام من منزل الطفولة، أو حتى رائحة مكان معين، أن تعيد شخصا للحظات إلى زمن يظن أنه نسيه.