هل يمكن للعلم أن يكشف ميلا فطريا إلى العنف؟ وهل يستطيع تصوير الدماغ أن يحدد من قد يرتكب جريمة في المستقبل؟
أسئلة بدت حتى وقت قريب أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، لكنّها وجدت طريقها إلى قاعات المحاكم الأميركية بفضل أبحاث عالم الأعصاب الأميركي كينت كيل، الذي أمضى أكثر من عقدين في دراسة أدمغة السجناء بحثا عمّا يصفه البعض بـ"بصمة الشر".
غير أن هذه الأبحاث، التي قدمت في آلاف القضايا الجنائية وساعدت محامين في الدفاع عن موكليهم، تحولت في بعض الحالات إلى سلاح ذي حدين. فبدلا من إنقاذ متهمين من عقوبة الإعدام، يتهم منتقدون هذه النظريات بأنها ساهمت في ترسيخ صورة بعض المتهمين كأشخاص محكوم عليهم بالعنف إلى الأبد، ما دفع هيئات محلفين إلى إصدار أحكام أكثر قسوة.
البحث عن "الدماغ الإجرامي"
بدأ الجدل عام 2009 عندما استدعي كيل للإدلاء بشهادته في قضية القاتل المتسلسل براين دوغان، الذي كان يواجه عقوبة الإعدام بتهمة اغتصاب وقتل طفلة تبلغ من العمر 10 أعوام.
وبعد إخضاعه لاختبارات نفسية وتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، قال كيل أمام هيئة المحلفين إن دوغان سجل درجات مرتفعة للغاية على مقياس الاعتلال النفسي، مضيفا أن مشكلاته السلوكية بدأت منذ سن مبكرة جدا. لاحقا وصف كيل دماغ دوغان بأنه "ضامر".
ومنذ ذلك الحين، انتشرت الأدلة العصبية في المحاكم الأميركية. ووفقا لدراسة أوردها تقرير الغارديان، ظهرت الحجج المرتبطة بالدماغ والأعصاب في أكثر من 2800 رأي قضائي بين عامي 2005 و2015، كما حضرت في نحو ربع محاكمات الإعدام في الولايات المتحدة. ويستند هذا التوجه إلى فكرة أن بعض الأشخاص قد يكونون مهيئين بيولوجيا للعنف، وليسوا مسؤولين بالكامل عن سلوكهم الإجرامي.
عندما ينقلب الدفاع إلى اتهام
لكنّ هذه الاستراتيجية لم تحقق دائما النتائج المرجوة. ففي عام 2016 حاول محامو الأميركي آموس ويلز الثالث، المتهم بقتل صديقته الحامل ووالدتها وشقيقها البالغ من العمر 10 أعوام، استخدام فحوص الدماغ والاختبارات الجينية لإقناع هيئة المحلفين بأنّ موكلهم كان ضحية ظروف بيولوجية ونفسية خارجة عن إرادته. وقال محاميه أمام المحكمة: "آموس لم يختر جيناته، ولم يختر الدماغ الذي ولد به".
غير أنّ النتيجة جاءت معاكسة تماما. إذ اعتبر الادعاء أن الأدلة نفسها تثبت أن ويلز سيظل خطرا على المجتمع مستقبلا. واستند المدعون إلى شهادات الخبراء الذين تحدثوا عن استعداد بيولوجي للعنف، ليؤكدوا أمام هيئة المحلفين أن المتهم "لن يتوقف عن أن يكون خطيرا". وانتهت القضية بإصدار حكم بالإعدام لا يزال قائما حتى اليوم.
علم راسخ أم نسخة حديثة من "العلم الزائف"؟
يثير هذا النوع من الأبحاث انقساما حادا داخل الأوساط العلمية. فبينما يؤكد كيل أن أعماله خضعت لمراجعات علمية صارمة ومولت بمنح حكومية من المعاهد الوطنية للصحة، يرى منتقدون أن الادعاءات تتجاوز بكثير ما تسمح به الأدلة العلمية المتاحة.
وقال ساتراجيت غوش، عالم الأعصاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن التنبؤ بالسلوك البشري من خلال تصوير الدماغ لا يزال أقرب إلى "خيال علمي متطرف"، مؤكدا أن التكنولوجيا الحالية لا تتيح فهما كافيا للدماغ يسمح بالتنبؤ الدقيق بالسلوك الإجرامي. كما وصف الباحث القانوني ستيفن مورس كيل بأنه "مبالغ كبير في ادعاءات الدماغ"، متهما إياه بتضخيم أهمية أبحاث الأعصاب في المجال القانوني.
ويذهب بعض الباحثين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أنّ هذه النظريات تعيد إحياء أفكار قديمة جرى دحضها منذ زمن، مثل علم فراسة الدماغ الذي كان يدعي في القرن الـ١٩ إمكانية اكتشاف المجرمين من شكل الجمجمة. ويحذرون من أنّ التركيز على العوامل البيولوجية قد يؤدي إلى تجاهل تأثير الفقر والعنف الأسري والاضطرابات النفسية والتمييز الاجتماعي في تشكيل السلوك الإنساني.





