بالنسبة إلى ملايين المسلمين الذين يعيشون في إسبانيا، لا تنتهي تحديات الاندماج عند التعليم أو العمل أو السكن، بل تمتد أحيانا إلى اللحظة الأخيرة بعد الوفاة.
على الرغم من أن الدستور الإسباني يكفل حرية المعتقد، تجد آلاف الأسر المسلمة نفسها أمام عقبات عملية وقانونية عندما تحاول دفن ذويها وفق الشعائر الإسلامية.
وفقا لتقرير نشرته صحيفة إل باييس، لا يتجاوز عدد المقابر أو الأقسام المخصصة للدفن الإسلامي 42 موقعا موزعة على 27 إقليما فقط، وهو رقم لا يتناسب مع وجود أكثر من 2.3 مليون مسلم في البلاد.
تقول ميسون دعاس، رئيسة مبادرة "الدفن الكريم"، إن المشكلة لا ترتبط بالتمييز المباشر بقدر ما ترتبط بما تصفه بـ"الإهمال المؤسسي" الذي جعل كثيرا من العائلات عاجزة عن توديع موتاها بالطريقة التي ترغب بها.
رحلة البحث عن قبر
يشير التقرير كيف اضطرت عائلات كثيرة إلى نقل جثامين أقاربها لمسافات طويلة بسبب غياب أماكن دفن مناسبة. وتستذكر ميسون دعاس تجربة عائلتها عندما توفيت إحدى قريباتها التي عاشت في مدريد منذ سن السابعة عشرة وحتى تجاوزت الثمانين من عمرها، لكن لم يكن بالإمكان دفنها هناك، فتم نقلها إلى فالنسيا حيث يبعد قبرها نحو 350 كيلومترا عن أفراد أسرتها.
وتشير البيانات التي استعرضتها الصحيفة إلى أن خمس مناطق ذاتية الحكم في إسبانيا لا تضم أي مقبرة إسلامية، وهي غاليسيا وكانتابريا وأستورياس وإكستريمادورا وقشتالة-لا-مانتشا.
نتيجة لذلك، تضطر بعض الأسر إلى التنقل بين المدن بحثا عن مكان متاح، في حين تفرض بعض البلديات شروطا إضافية مثل إثبات الإقامة قبل السماح بالدفن. ويقول خبير شؤون الدفن خافيير مورينو إن وفاة مسلم في إسبانيا غالبا ما تتحول إلى سباق للعثور على مكان شاغر قبل التفكير في مراسم الوداع نفسها.
بين القانون والشعائر الدينية
تكمن إحدى المشكلات الأساسية، بحسب التقرير، في اختلاف متطلبات الدفن الإسلامي عن القواعد المعمول بها في إسبانيا. فالشعائر الإسلامية تشترط غسل الجثمان وتوجيهه نحو مكة ودفنه بطريقة تتيح ملامسته للأرض، كما ترفض الحرق أو الدفن في المقابر العمودية. لكن التشريع الإسباني الذي يعود إلى عام 1974 يفرض استخدام التابوت لأسباب صحية.
ويعتبر مورينو أن الظروف الصحية الحديثة لم تعد تبرر التمسك ببعض القيود القديمة، بينما يؤكد أوسكار سالغيرو، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، أن احترام معتقدات المتوفى حق دستوري، وأن السلطات العامة مطالبة بتكييف فضاءات الدفن بما يراعي التنوع الديني الموجود في المجتمع الإسباني.
ويضيف أن المشكلة لم تعد قانونية فقط، بل تتعلق أيضا بنقص المساحات المخصصة للدفن الإسلامي حتى في المواقع المعترف بها رسميا.
وفي ظل هذا الواقع، تلجأ بعض الأسر إلى حلول مؤقتة، مثل وضع التراب داخل التابوت أو تعديل أجزاء من القبر للسماح بملامسة الجثمان للأرض. لكن مورينو يصف هذه الإجراءات بأنها مجرد حلول ترقيعية لا تعالج أصل المشكلة.
عندما يصبح الوطن بعيدا بعد الوفاة
أمام صعوبة العثور على أماكن دفن، تلجأ عائلات كثيرة إلى خيار إعادة الجثمان إلى بلد الأصل. وتشير إل باييس إلى أن شركات دفن متخصصة تعرض نقل المتوفين إلى المغرب أو بلدان أخرى بسبب غياب ضمانات الحصول على قبر داخل إسبانيا. غير أن هذا الحل يثير أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء.
ويستشهد التقرير بمسلسل "الوطن الأم" الذي يتناول قصة عائلة تنقل جثامين المسلمين من بلجيكا إلى المغرب. ومن خلال هذه القصة يطرح أوسكار سالغيرو تساؤلا جوهريا: ماذا عن شخص ولد وعاش حياته كلها في إسبانيا؟ أو شخص إسباني اعتنق الإسلام؟ إلى أي وطن يجب أن يعود بعد وفاته؟ ويجيب بأن بعض المسلمين في هذه الحالات "لا يجدون مكانا يتوجهون إليه".
ويذكر التقرير أن المقابر الإسلامية موجودة في إسبانيا منذ أكثر من ألف عام، وأن بعضها اختفى مع مرور الزمن نتيجة إعادة استخدام الأراضي لأغراض أخرى. كما أن مقبرة سيدي مبارك في سبتة، التي تعود إلى أواخر القرن السابع عشر، تمثل استثناء تاريخيا في بلد أصبح العثور فيه على مكان للدفن الإسلامي، بحسب وصف الصحيفة، أشبه برحلة شاقة بحثا عن الوداع الأخير.





