في نوفمبر 2019، صادر محققون نمساويون هاتفاً يخصّ أحد أقرب مساعدي المستشار سيباستيان كورتس. واستعادوا منه مراسلات، بينها رسائل محذوفة، أصبحت لاحقاً جزءاً من الأدلة في تحقيقات فساد سبقت استقالة كورتس.
وبعد 13 يوماً من إعلان الاستقالة في أكتوبر 2021، كتب يان مارساليك، المدير التنفيذي السابق لشركة "وايركارد" والمتهم بالعمل لصالح الاستخبارات الروسية، إلى أحد أفراد شبكته زاعماً أنه شارك في إسقاط المستشار عبر مصادرة ذلك الهاتف.
وكشفت صحيفة "تلغراف" البريطانية، مضمون هذه المراسلات بعدما اطلعت على ملفات تحقيق نمساوية. وقالت الصحيفة إن الوثائق لا تتضمن دليلاً مستقلاً يثبت أن مارساليك دبّر مصادرة الهاتف، فيما تشير الملفات إلى أن التحقيق في القضية لا يزال جارياً.
هاتف في ملفات الفساد
كان الهاتف يعود إلى توماس شميد، المسؤول السابق في وزارة المالية وأحد المقربين من كورتس. وصادره المحققون النمساويون في 12 نوفمبر 2019. ودخلت المراسلات المستخرجة منه في عدة تحقيقات شملت تعيينات سياسية وإعلانات حكومية وشبهات استخدام المال العام لأغراض حزبية.
وفي 6 أكتوبر 2021، فتّش المحققون مقر المستشارية ووزارة المالية ومقر حزب الشعب النمساوي الذي يقوده كورتس، ضمن تحقيق في شبهات تمويل استطلاعات رأي وتغطيات إعلامية تصبّ في مصلحته بأموال عامة.
وبعد ثلاثة أيام، أعلن كورتس استقالته تحت ضغط التحقيق. وكان قد تولّى المستشارية للمرة الأولى عام 2017 في سن الـ31، ونفى اتهامات الفساد.
ماذا قال مارساليك؟
في 22 أكتوبر 2021، كتب مارساليك إلى أورلين روسيف، مستخدماً اسماً مستعاراً، أن مجموعته نجحت في إسقاط المستشار عبر مصادرة هاتف رجل قال إنه كان يدير التمويل السري لحملتهم. ثم أرسل رابطاً لمقال عن شبهات الفساد وهاتف شميد. وبحلول ذلك الوقت، كانت الصحافة النمساوية قد نشرت بالفعل تفاصيل عن القضية والهاتف.
وقرأ المحققون النمساويون المراسلات على أنها ادعاء من مارساليك بالمشاركة في مصادرة الجهاز. وتوقفوا أيضاً عند إشارته إلى رجل قال إنه عمل لحسابهم فترة من الزمن، إذ لم يتضح لهم إن كان يقصد العمل لدى "وايركارد" أم لصالح جهاز استخبارات روسي. وامتنع كورتس عن التعليق على المراسلات وتقييم المحققين، فيما قالت وزارة الداخلية النمساوية إنها لا تعلّق على التحقيقات الجارية.
من بريطانيا إلى النمسا
وأفادت "تلغراف" بأن الرسائل استُخرجت على الأرجح من أجهزة ضبطتها الشرطة البريطانية في دار ضيافة كان يقيم فيها روسيف بمدينة غريت يارموث، عند توقيفه في فبراير 2023.
وأُدين روسيف لاحقاً بالتجسس لصالح روسيا وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات وثمانية أشهر. وقالت السلطات البريطانية إنه كان يتلقى أوامره مباشرة من مارساليك، وإن الشبكة راقبت معارضين للكرملين وصحفيين استقصائيين.
وكان مارساليك قد فرّ عقب انهيار "وايركارد" في يونيو 2020. وبحسب الادعاء البريطاني، كان يقيم في موسكو وقت إرسال الرسائل ويعمل بصورة أساسية لصالح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
وفي النمسا، يبحث المحققون ما إذا كان مسؤولون في أجهزة الأمن قد زوّدوه بمعلومات وصلت إلى روسيا. أما في قضية كورتس، فيبقى السؤال المطروح في التحقيق هو ما إذا كان مارساليك قد أدّى فعلاً دوراً في مصادرة الهاتف قبل عامين من ادعائه إسقاط المستشار.





