مع انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وفوز معارضيه من الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، أصبح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الآن في وضع "البطة العرجاء" قبل نحو عامين من انتهاء ولايته.

ففي الولاية الثانية والأخيرة يواجه أي رئيس أميركي فقد حزبه السيطرة على الكونغرس صعوبة بالغة في تمرير أي مبادرات أو خطط داخلية كبيرة، بسبب معارضة الكونغرس، فيلجأ إلى الساحة الخارجية بحثا عن تحقيق إنجاز يذكره له التاريخ، بسبب هامش الحركة الأوسع المتاح له مقارنة بالشأن الداخلي، بحسب أسوشيتد برس.

وتضع هذه المحصلة رئيسا أضعفته الهزيمة الانتخابية أمام خيارين: إما التوصل إلى مخرج عن طريق التفاوض أو الاندفاع إلى تصعيد أكثر خطورة.

وفي طهران وبين حلفائها، سرعان ما جرى تصوير النتيجة على أنها حكم نهائي على الصراع. وفي أنحاء منطقة الشرق الأوسط، يسود ترقب حول المسار الذي سيسلكه ترامب.

"لم يكترث"

مسؤول استخبارات أميركي ومسؤولان أميركيان آخران قالا لرويترز إن تقييمات الاستخبارات الأميركية في الأشهر الأخيرة أشارت إلى أن أي ضربات جديدة على إيران لن تغير بشكل جوهري موقف طهران التفاوضي أو تؤدي إلى تغيير النظام.

ورغم ذلك، تحذر مصادر مطلعة من أن ترامب قد يقرر التحرك، مشيرة إلى أنه كان على دراية بالمخاطر السياسية قبل انتخابات الثلاثاء، لكنه "لم يكترث".

وبالرغم من أن الحملة الأميركية الإسرائيلية ألحقت أضرارا جسيمة بالقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أنها فشلت في تحقيق نتيجة حاسمة، تاركة ملف البرنامج النووي الإيراني دون حل.

مساع للتوصل إلى اتفاق؟

قال مصدران مقربان من دوائر حكومية في المنطقة إن ترامب، الذي أصبح في موقف أضعف في مواجهة كونغرس يهيمن عليه الديمقراطيون ويستطيع تقييد خياراته العسكرية، لديه حافز أكبر للسعي إلى التوصل إلى اتفاق.

وأشارا إلى أن شن هجوم شامل على إيران يبدو الآن احتمالا أضعف. ومن الممكن أن تتيح ضربات إضافية محدودة على منشآت نووية مخرجا للولايات المتحدة يسمح لها بالادعاء بأن أهدافها تحققت لوضع حد لهذا الصراع، في الوقت الذي تكثف فيه الصين جهودها للتوسط في تسوية.

ورغم ذلك، قال محللون إن أي اتفاق يسمح لإيران بالادعاء بتحقيق انتصار واضح ويظهر ترامب بمظهر المهزوم قد يؤدي إلى حالة من التهور بنفس سهولة سيناريو ضبط النفس.

"التصعيد مخرج"؟

وجاءت ضربة الناخبين الأميركيين بعد أسبوع من توجيه الناخبين الإسرائيليين صفعة إلى مهندس الحرب الآخر، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد حصد تكتله اليميني 53 مقعدا من أصل 120 في الكنيست في الانتخابات التي جرت في 27 أكتوبر، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة، مما تركه يواجه صعوبات من أجل الاحتفاظ بالسلطة.

وقد يصل هذان الزعيمان المحاصران، اللذان يرتبط مستقبلهما السياسي بشكل متزايد بنتيجة الحرب، إلى اعتبار أن التصعيد ليس مخاطرة بل مخرج من مأزقهما السياسي. وقد يكون هذا الحساب غير عقلاني، لكنه لا يقل خطورة.

مخاطر سوء التقدير

قالت إبتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي "‏نتائج الانتخابات الأميركية تجعل التسوية أكثر إلحاحا بالنسبة إلى ترامب، لكنها لا تجعلها أكثر سهولة بالنسبة إلى إيران".

وأضافت أن الكثير يتوقف على طريقة قراءة طهران للوضع الحالي "فإذا أدركت طهران أن ترامب يحتاج إلى اتفاق، ولكن ليس إلى أي اتفاق، فقد تنشأ فرصة جدية لإنهاء الحرب. أما إذا اعتبرت النتائج دليلا على انكسار الإرادة الأميركية، فقد تدفعه إلى تصعيد عسكري جديد".

طهران تترقب.. وتتأهب

وفي طهران، استمتع القادة بالإهانة التي تعرض لها ترامب لكنهم لم يخففوا من حذرهم، حيث وصف كبير المفاوضين الإيرانيين النتيجة بأنها تصويت لصالح "رفض الحرب".

وقال مصدران إيرانيان رفيعا المستوى إن طهران لا تزال في حالة تأهب قصوى، خشية أن يحاول ترامب تعويض هزيمته بضربة عسكرية. وحذر الزعيم الأعلى مجتبى خامنئي من "أدنى ميل نحو الخضوع"، في إشارة إلى أن إيران لا تنوي التخفيف من مطالبها بشأن مضيق هرمز.

ورأى المحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أن الخطر الأكبر ينبع الآن من إيران، وليس من الولايات المتحدة أو إسرائيل. وقال إن قادة إيران لطالما اتسموا بالغطرسة، حيث بالغوا في تقدير قوتهم واستخفوا بالقوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية. وأضاف أن هذه العقلية لا تزال سائدة، مما يوفر أسبابا كافية لعدم استبعاد اندلاع جولة أخرى من القتال.

"ليس لديه ما يخسره"

ونقلت رويترز عن أحد المصادر الأميركية قوله إن ترامب لم يعد لديه ما يخسره سياسيا الآن بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، وإن من المرجح أن يُصعّد موقفه تجاه إيران ويُقدم على هجوم عليها.

وأكد مصدر ثان أن المسار الأرجح هو تجدد الأعمال القتالية، قائلا "إنه يُخطط لقصف إيران. لا تُصدقوا ما يقوله. لقد أرجأ الأمر بسبب انتخابات التجديد النصفي. طلبنا منه التريث حتى موعدها".

تحقيقات متوقعة

حذر عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث الذي يتخذ من السعودية مقرا له، من أن الهزيمة قد تجعل ترامب أكثر استعدادا لتوجيه ضربات عسكرية. فمع انتهاء انتخابات التجديد النصفي وعدم وجود ولاية ثالثة في الأفق، تضاءلت الاعتبارات الانتخابية التي كانت تشجع في السابق على ضبط النفس. في هذا الوضع يقف رئيس ليس لديه الكثير الذي يخسره، أمام إرث يتعين عليه أن يحافظ عليه.

وقال صقر إن ترامب قد ينظر إلى المواجهة مع إيران على أنها فرصة "لإنهاء المهمة" قبل مغادرة منصبه. وأضاف "إذا استمرت إيران في المقاومة... وخرجت مدعية النصر، فقد يشعر ترامب بأنه مضطر للتحرك لمنع حدوث ذلك وإعلان نجاح واضح يحسب لولايته الرئاسية".

وقال المحلل السياسي اللبناني سركيس نعوم إن هزيمة ترامب تضعف موقفه في التعامل مع إيران، مما يقلص أوراق الضغط التي يملكها على طاولة المفاوضات ويحد من خياراته لتأمين اتفاق.