لم تكن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسَي الكونغرس الأميركي مجرد انتكاسة انتخابية للرئيس دونالد ترامب، بل كشفت عن تحول واسع في مزاج الناخبين، بعدما نجح الديمقراطيون في تحقيق انتصارات داخل ولايات ظلت لسنوات معاقل للحزب الجمهوري.
فبين ارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب مع إيران، والغضب من سياسات البيت الأبيض، تحولت انتخابات التجديد النصفي إلى استفتاء على أداء ترامب بعد عامين من عودته إلى السلطة، وفقا لوكالة "رويترز".
فما الأسباب التي دفعت الأميركيين إلى معاقبة الجمهوريين؟
شكّلت الأوضاع الاقتصادية أحد أبرز أسباب الهزيمة الجمهورية، بعدما أخفق ترامب، وفق تقييم شريحة واسعة من الناخبين، في الوفاء بوعوده بخفض الأسعار وتحسين القدرة الشرائية.
وأظهرت استطلاعات الخروج التي أجرتها مؤسسة SSRS لصالح مجموعة من وسائل الإعلام الأميركية أن نحو 9 من كل 10 ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة عاملاً مهماً أو حاسماً في قرارهم الانتخابي.
كما لم يتوقف الغضب عند استمرار ارتفاع الأسعار، إذ حمّل نحو ثلثي المشاركين في استطلاعات الخروج ترامب مسؤولية الغلاء، بينما قال ثلاثة أرباعهم إنهم غاضبون أو غير راضين عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد. واعتبر كثيرون أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران، ساهمت في زيادة الضغوط الاقتصادية على الأسر الأميركية.
حرب إيران.. فاتورة سياسية واقتصادية
تحولت الحرب الأميركية مع إيران إلى عبء انتخابي على الجمهوريين، بعدما انعكست اضطرابات إمدادات النفط والغاز في الخليج على أسعار الطاقة والوقود.
وأشارت رويترز إلى أن استياء الناخبين من الحرب، المستمرة منذ نحو 8 أشهر، ساهم في تراجع التأييد لترامب، خصوصاً مع ارتفاع الأعباء المعيشية.
بالمقابل، لم ينفِ ترامب تأثير الحرب على النتائج، إذ أقر بأن الملف الإيراني كان أحد العوامل وراء خسارة الجمهوريين، وفقا لوكالة "رويترز".
أيضا لم يكن ترامب مرشحاً في الانتخابات، لكنه حضر بقوة في الحملات الانتخابية، بعدما دعا أنصاره إلى التعامل مع الاقتراع وكأنه شخصياً على بطاقة التصويت. غير أن هذه الاستراتيجية ارتدت على الجمهوريين، إذ أظهرت استطلاعات الخروج أن نصف الناخبين تقريباً رأوا في الانتخابات فرصة للتعبير عن رفضهم للرئيس.
وكشفت الاستطلاعات أن 62% من الناخبين لا يوافقون على أداء ترامب، فيما طالب 70% بأن يمارس الكونغرس رقابة أكبر على الرئيس ويضع قيوداً وتوازنات إضافية على سلطته. وتعكس هذه النتائج أن الغضب لم يكن اقتصادياً فقط، بل امتد إلى طريقة إدارة البيت الأبيض للسلطة.
لماذا نجحت استراتيجية الديمقراطيين؟
لم يقتصر تقدم الديمقراطيين على الولايات المتأرجحة، بل امتد إلى مناطق ظلت لعقود محسوبة على الجمهوريين. ففي تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بهذا المقعد في الولاية منذ 38 عاماً، فيما حقق الحزب انتصارات لافتة في كارولاينا الجنوبية وكانساس وأوهايو.
وأظهرت النتائج تقدماً للديمقراطيين في مناطق غنية وفقيرة، وبين الناخبين من مستويات تعليمية مختلفة، فضلاً عن مكاسب ملحوظة في المناطق ذات الكثافة اللاتينية، بما فيها مناطق حدودية في تكساس كانت قد اتجهت نحو ترامب خلال انتخابات 2024.
أيضا ركز الديمقراطيون حملاتهم على الملفات المرتبطة بالحياة اليومية، وفي مقدمتها القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، والرسوم الجمركية، والفساد وتضارب المصالح.
في المقابل، ركز الجمهوريون على قضايا الهجرة والخلافات الثقافية والاجتماعية، وهي ملفات لم تحظَ بالأولوية نفسها لدى قطاعات واسعة من الناخبين.
إلا أن استراتيجية الديمقراطيين ساهمت في الدفع بمرشحين في مختلف الدوائر، حتى تلك التي بدت فرص الفوز فيها ضعيفة، في توسيع خريطة المنافسة.
كما استفاد الحزب من إقبال أنصاره والناخبين المستقلين، ومن تراجع قدرة بعض المرشحين المدعومين من ترامب على تجاوز الاستياء الشعبي من سياسات الرئيس.
ماذا بعد الهزيمة؟
تمنح السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ الديمقراطيين أدوات جديدة لمواجهة إدارة ترامب، بينها فتح تحقيقات برلمانية، واستدعاء مسؤولين، وعرقلة بعض التعيينات، والضغط للحصول على تنازلات في ملفات الميزانية والتشريعات.
لكن هذه السيطرة لا تعني امتلاك الحزب القدرة على تنفيذ برنامجه كاملاً، إذ يحتفظ ترامب بحق النقض الرئاسي وصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية.
ورغم اعتراف ترامب بنتائج الانتخابات وإبداء استعداده للتعاون مع الديمقراطيين في بعض الملفات، فإنه حذر من استخدام الفيتو ضد تشريعات يرفضها.
في حين بات الديمقراطيون أمام اختبار جديد، بأن يتحول انتصارهم الانتخابي إلى نتائج ملموسة في الملفات الاقتصادية التي ساعدتهم على الفوز.
وبين غضب الناخبين من الأسعار، ورفض الحرب مع إيران، وتراجع شعبية ترامب، تبدو نتائج الانتخابات رسالة سياسية تتجاوز تبدل الأغلبية في الكونغرس، لتضع الرئيس أمام عامين أكثر تعقيداً من ولايته الثانية.





