شكّلت قوات سوريا الديمقراطية التي أعلن قائدها، مظلوم عبدي، الخميس، إنجاز دمجها في صفوف الدولة السورية، طوال سنوات الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية ورأس حربة في قتال تنظيم داعش، قبل أن تتخلى عنها داعمتها واشنطن، حسب تقرير لفرانس برس.
وبعدما كانت لسنوات القوة العسكرية الأكثر تنظيما وتدريبا في سوريا، فإن إعلان حلّها يشكل وفق محللين، نهاية مرحلة بارزة في تاريخ أكراد سوريا الذين أملوا بتكريس حكم ذاتي، قبل إطاحة الحكم السابق، وطمحوا للحفاظ على مكتسباتهم بعد وصول السلطة الجديدة إلى دمشق.
تأسست قوات سوريا الديموقراطية في أكتوبر 2015، جراء اندماج مقاتلين عرب مع المقاتلين الأكراد، بدعم وتوجيه من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وذلك بعدما أثبت مقاتلو الوحدات الكردية فعالية في قتال تنظيم داعش في مدينة كوباني (عين العرب) الواقعة في أقصى محافظة حلب (شمال).
وشهدت المدينة حينها ٤ أشهر من المعارك الضارية، تمكن إثرها المقاتلون الأكراد من طرد التنظيم الإرهابي من المدينة التي تحوّلت رمزا للصمود. ودفع ذلك باتجاه تلقي الأكراد دعما أميركيا مباشرا.
وباتت قوات سوريا الديمقراطية إثر ذلك رأس الحربة في مكافحة تنظيم داعش حتى دحره من آخر معاقله في البلاد عام 2019، ما مكّنها من السيطرة على مناطق واسعة من شمال سوريا وشمال شرقها، غنية بأبرز حقول النفط والغاز وسهول زراعية خصبة.
إلا أنه بعد مواجهات متكررة مع السلطات الجديدة، وتوقيع الطرفين اتفاقا في يناير لدمج المؤسسات الكردية في إطار مؤسسات الدولة السورية، انسحبت القوات الكردية بعد انشقاق المقاتلين العرب من صفوفها تباعا من المناطق ذات الغالبية العربية في شمال البلاد وشرقها إلى المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة، معقل إدارتها الذاتية.
ومع تقدّم قوات الجيش السوري، خسر الأكراد الجزء الأكبر من المقاتلين العرب في صفوفهم الذين آزروا السلطات، لينخفض عديدهم من قرابة مئة ألف إلى نحو 50 ألفا، بحسب الباحث المتخصص في الشأن السوري فابريس بلانش.
نواة صلبة
شكّلت وحدات حماية الشعب الكردية النواة الصلبة لقوات سوريا الديمقراطية وتضمّ 30 ألف مقاتل، من بينهم وحدات حماية المرأة، بحسب بلانش.
ولم يتطرق عبدي خلال إعلانه الخميس من مدينة القامشلي إلى إنجاز عملية دمج المؤسسات الكردية المدنية والعسكرية في إطار مؤسسات الدولة السورية، بموجب اتفاق وقعه مع الرئيس أحمد الشرع مطلع العام، الآلية التي تمّ بموجبها دمج قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن الكردية في صفوف الدولة السورية.
ويقول الخبير في الشأن الكردي موتلو جيفير أوغلو لوكالة فرانس برس إن دمج قوات سوريا الديمقراطية في إطار الدولة السورية يشكّل "نهاية مرة"، ويمثّل "نهاية حقبة القوة الكردية في سوريا".
وتعرّضت هذه القوات لهجمات تركية متتالية بين عامَي 2016 و2019، بحجة إبعادها عن حدودها.
وتصنّف انقرة الوحدات الكردية "منظمة إرهابية" وتعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي خاض لعقود تمردا ضدها على أراضيها.
وأعلن الحزب العام الماضي حلّ نفسه وإلقاء السلاح بدعوة من زعيمه عبدالله أوجلان، لكنه احتفظ بقاعدة خلفية له في جبال قنديل في شمال العراق.
وفي حين تنفي وحدات حماية الشعب أي علاقة لها بحزب العمال الكردستاني، يقول محللون إن الحزب هو من يتولى إدارة وحدات حماية الشعب.
وتعرف هذه الوحدات التي تأسست عام 2011 بتنظيمها الشديد المستوحى من نموذج حزب العمال الكردستاني.
"انسحاب" المقاتلين الأجانب
وقال المحلل المتخصص في الشأن السوري في مجموعة الأزمات الدولية نانار هواش لفرانس برس في وقت سابق إن "وحدات حماية الشعب تأسست على يد مقاتلين مخضرمين من حزب العمال الكردستاني"، بينهم مظلوم عبدي الذي انضم إلى صفوف الحزب عام 1990، قبل أن يعود إلى سوريا مع بدء النزاع عام 2011 بحيث ساهم في تأسيس وحدات حماية الشعب، وكان له دور بارز في معركة كوباني.
ونصّ الاتفاق بين الأكراد ودمشق، إلى جانب دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة، على "التزام قسد إخراج كافة قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج حدود سوريا لضمان السيادة واستقرار الجوار".
وأقرّ عبدي في كلمته الخميس بأنّ "آلاف الشباب والشابات الكرديات أتوا لمساعدتنا ووقفوا إلى جانب" قوات سوريا الديمقراطية من "أجزاء كردستان الأخرى" في إشارة إلى الدول التي يتوزع عليها الأكراد وهي إيران والعراق وتركيا.
وأكد في الوقت ذاته أنه بناء على طلبنا وبموجب خطة عملية.. انسحبت تلك القوات من هنا ونستطيع أن نقول في هذه المنطقة بدأت مرحلة جديدة".
ويقدر عدد المقاتلين غير السوريين المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في صفوف قوات سوريا الديمقراطية "بالمئات أو بضعة آلاف"، وفق هواش. وغالبيتهم "أكراد من تركيا، وعدد قليل منهم هم أكراد إيرانيون وعراقيون".
ويضيف "رغم عددهم المحدود، لكن تأثيرهم ملحوظ في أدوار القيادة والإدارة، ولذلك فإن مغادرتهم مطلب لدى دمشق".
ومع إعلان دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الدولة السورية، يسجّل الشرع إنجازا جديدا في إطار مساعيه لتوحيد البلاد وبسط سيطرته على كامل التراب السوري.
ويبدي جيفير أوغلو أسفه لأنّ "قوة عسكرية حققت نجاحات باهرة، وهزمت داعش مرارا، وحظيت بإشادة كثر، تُنهي مسيرتها بنتيجة لم تكن مُرضية" لقائدها مظلوم عبدي.
ويوضح أنه بينما كان يمكن لها أن تشكّل "ركيزة أساسية لسوريا الجديدة، فإننا نتحدث اليوم عن حلّها ودمجها في الجيش السوري".





