في ذروة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، واجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب معضلة أساسية: هل كان الوفد الإيراني المفاوض يتحدث فعلاً باسم الحرس الثوري الإيراني، أم أن قراراته كانت تحتاج إلى موافقة القيادة العسكرية؟
وبسبب عدم قدرتها على حسم هذه المسألة، لجأت واشنطن إلى خطوة غير اعتيادية، متجاوزة فريق التفاوض الإيراني، ومحاولة فتح قناة اتصال مباشرة مع قيادة الحرس الثوري، بحسب تقرير كتبه الصحافي باراك رافيد للقناة ١٢ الإسرائيلية.
من هو الوسيط؟
وكان الشخص الذي اختارته الإدارة الأميركية لهذه المهمة هو رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، الذي يتمتع بعلاقات وثيقة وثقة لدى مسؤولين في الولايات المتحدة، وكذلك لدى مسؤولين بارزين في الحرس الثوري الإيراني.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة مباشرة على الملف، فإن هذه القصة، التي لم يُكشف عنها سابقاً، تكشف مدى تعقيد التفاوض الأميركي مع إيران، حيث لا يكون واضحاً دائماً من يملك القرار النهائي داخل النظام الإيراني.
ورغم أن الولايات المتحدة وإيران توصلتا في نهاية المطاف إلى مذكرة تفاهم، فإنها انهارت سريعاً.
من يملك القرار في طهران؟
في منتصف مايو، وجد فريق التفاوض الأميركي، الذي كان يحاول التوصل إلى اتفاق مع إيران وإنهاء الحرب، نفسه أمام مشكلة كبيرة. فلم يكن المسؤولون الأميركيون قادرين على التأكد مما إذا كان المفاوضون الإيرانيون الذين يجلسون أمامهم يمتلكون فعلاً تفويضاً من الحرس الثوري، الذي أصبح لاعباً بالغ النفوذ داخل إيران.
وبدأت إدارة ترامب تشك في أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي لا يملكان صلاحية إبرام اتفاق نهائي، وأن الحرس الثوري كان قادراً على تعطيل قراراتهما.
وبذلك أصبحت الأولوية بالنسبة إلى واشنطن هي الوصول إلى قناة مباشرة مع قيادة الحرس الثوري، والتأكد من أن ما يجري التفاوض عليه يحظى بموافقتها.
كيف حصل التواصل؟
في 10 مايو، أجرت تولسي غابارد، التي كانت تشغل آنذاك منصب مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، اتصالاً بنيجيرفان بارزاني. وبحسب مصدرين مطلعين مباشرة على الاتصال، قالت غابارد لبارزاني إن إدارة ترامب تعتقد أنه قادر على المساعدة في فتح قناة اتصال مع قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي.
وكان بارزاني خياراً لافتاً لهذه المهمة. فقد أقام في إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ودرس في جامعة طهران، ويتحدث الفارسية بطلاقة، كما تربطه علاقات شخصية بعدد من كبار المسؤولين في النظام الإيراني، بينهم مسؤولون في الحرس الثوري، وفق أحد المصادر.
وأوضح أحد المصادر أن غابارد أبلغت بارزاني بأنها تتصل به بموافقة الرئيس ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس.
وكان المطلوب من بارزاني، وفق المصدر، معرفة ما إذا كان أحمد وحيدي وقيادة الحرس الثوري يؤيدان ما كان قاليباف وعراقجي يتفاوضان بشأنه، أم أن لديهما مطالب أو أفكاراً مختلفة.
اتصال مباشر بالحرس الثوري
وافق بارزاني على طلب غابارد، وتواصل مع جهات اتصال لديه داخل الحرس الثوري، وأبلغهم بأن لديه رسالة من إدارة ترامب. لكن بارزاني شدد، وفق أحد المصادر، على أنه يريد التحدث مباشرة مع الجنرال أحمد وحيدي، ووافق الجانب الإيراني على ذلك.
وفي 14 مايو، وصل مسؤول بارز في الحرس الثوري إلى مكتب بارزاني في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، حاملاً هاتفاً مشفراً لإجراء اتصال آمن، وخلال المكالمة، سأل بارزاني وحيدي عما إذا كان منسقاً مع فريق التفاوض الإيراني، وأجاب الجنرال الإيراني بالإيجاب، مؤكداً دعمه للمفاوضين.
وقال وحيدي، وفق مصدر مطلع مباشرة على الاتصال: "أنا أؤيدهم بشكل كامل، وهذا أيضاً موقف الحرس الثوري. نحن نفضل حل هذه الأزمة من خلال المفاوضات".
وبحسب ثلاثة مصادر، من بينها مسؤول كبير في البيت الأبيض، اتصل بارزاني بغابارد فور انتهاء المكالمة، وأطلعها على الرد الإيراني، قبل أن تنقل غابارد المعلومات إلى البيت الأبيض.
واشنطن تقترح مفاوضات سرية؟
بعد تلقي الرد الإيراني، تقدمت إدارة ترامب باقتراح جديد، وفق أحد المصادر المطلعة على القناة السرية، فقد طلبت واشنطن من بارزاني استضافة محادثات سرية بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في أربيل.
وعاد بارزاني إلى التواصل مع الجانب الإيراني ونقل إليه المقترح، ولم يرفض الإيرانيون الفكرة بشكل قاطع، لكنهم أبدوا مخاوف بشأن أمنهم، بحسب المصدر.
وكانت مخاوفهم تتمحور حول اعتقادهم بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي يمتلك مصادر عديدة داخل إقليم كردستان العراق، وأن إسرائيل قد تحاول استهدافهم في أربيل أو أثناء سفرهم إليها أو عودتهم منها، وفي النهاية، لم تُعقد المحادثات السرية في أربيل.





