"إرهابيون إسرائيليون".. بهذه العبارة وصف السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، مستوطنين إسرائيليين حاصروا عائلة فلسطينية داخل منزلها في قرية قصرة شمالي الضفة الغربية المحتلة.
ولم يكتفِ السفير بالإدانة، بل قال، في منشور على منصة إكس، إنّ السفارة الأميركية طلبت من الجيش والشرطة الإسرائيليين التدخل لإخراج المستوطنين، مؤكّدا أنّ واشنطن كانت على اطلاع مسبق على ما يجري. ووصف ما حدث بأنّه "جريمة" وعمل "إرهابي شنيع" هدفه ترهيب العائلة ومضايقتها.
جاءت تصريحات هاكابي في لحظة تتجاوز قصة قصرة حدود حادث أمني آخر في الضفة الغربية، إذ تتقاطع مع عودة المستوطنين إلى مواقع أُخليت قبل أكثر من عقدين، ومع نقاش متزايد داخل إسرائيل نفسها حول حدود سلطة الدولة على المستوطنين، ومدى قدرتها على فرض القانون عندما يتعلق الأمر بعنف يرتكبه إسرائيليون ضدّ فلسطينيين.
قصرة.. من حصار عائلة فلسطينية إلى مواجهة مع الجيش
في قصرة، بدأ التصعيد عندما أقام مستوطنون بؤرة أمام منازل فلسطينية وفرضوا حصارا على المنطقة، بحسب تقارير إسرائيلية ودولية. وحاولت قوات من الجيش وحرس الحدود إزالة البؤرة وإبعاد المستوطنين، لكنّ العملية تحوّلت إلى مواجهة بين الطرفين.
وذكرت جيروزاليم بوست أنّ المتطرفين أقاموا ما يشبه الحصار حول المنطقة، بينما أفادت تقارير بأنّ القوات الإسرائيلية تدخلت لإخلاء البؤرة وإبعاد المستوطنين.
وبحسب تقارير عن الواقعة، لم يكن الأمر مجرد احتكاك بين مجموعات من السكان، إذ تحدثت إفادات لصحيفة الغارديان البريطانية عن عائلات فلسطينية بقيت محاصرة داخل منازلها، مع صعوبات في الوصول إلى المياه والكهرباء والرعاية الطبية.
وأشارت تقارير إلى أنّ الجيش أزال خيمة أقامها المستوطنون، لكنه لم يتمكن في البداية من إنهاء وجودهم في المنطقة، قبل أن يعزز قواته ويبدأ تحقيقا بالتعاون مع الشرطة.
وكانت جيروزاليم بوست نقلت عن مسؤول كبير في البيت الأبيض أنّ الإدارة الأميركية ترى أنّ إسرائيل لا تفعل ما يكفي لاحتواء عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وأنّ المسؤول يعتزم إثارة القضية مع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، مطالبا بتفسير أسباب عدم تمكن الأجهزة الأمنية من السيطرة على الوضع.
لكن بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى قصرة، كان مشهد آخر يتشكّل في شمال الضفة: مستوطنون إسرائيليون بدأوا الانتقال إلى منازل في موقع مستوطنة غانيم، التي كانت قد أُخليت عام 2005 خلال خطة فك الارتباط الإسرائيلية. وأعلن حزب الصهيونية الدينية الذي يتزعمه وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بدء انتقال المستوطنين إلى الموقع، وفق ما أوردته هآرتس. وكانت غانيم واحدة من أربع مستوطنات شمالية أُخليت في ذلك العام.
غانيم.. عودة إلى مستوطنة أُخليت في 2005
هذه العودة لم تأتِ من فراغ، إذ عدّل الكنيست في عام 2023 قانون فك الارتباط بما سمح للإسرائيليين بالعودة إلى مناطق في شمال الضفة كانت قد أُخليت عام 2005. ومنذ ذلك الحين اتخذت الحكومة الإسرائيلية خطوات لإعادة بناء أو إضفاء طابع رسمي على مستوطنات ومواقع كانت قد أُخليت.
وفي أبريل 2026، أعيد افتتاح مستوطنة "سانور" رسميا، في خطوة اعتبرها مسؤولون إسرائيليون تصحيحا لقرار الإخلاء السابق. كما وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطوات مرتبطة بإعادة إنشاء عدد من المواقع الاستيطانية في الضفة الغربية، وفقا لوكالة أسوشيتد برس.
في وقت تستخدم الدولة أجهزتها الأمنية لإزالة بؤرة استيطانية غير مصرح بها أو إبعاد مستوطنين عن منزل فلسطيني، تعمل الحكومة نفسها على إعادة ترسيخ الوجود الاستيطاني في أجزاء من الضفة.
وتشير هذه التطورات إلى تعقيد العلاقة بين السياسة الرسمية والنشاط الاستيطاني على الأرض، إذ يمكن للدولة أن تتحرك ضدّ مستوطنين في حادثة معينة، بينما تتبنى في الوقت نفسه سياسات تعزز وجود المستوطنين في مناطق أخرى من الضفة الغربية.
تحذيرات من تآكل السيطرة وآليات إنفاذ القانون
حتى داخل الخطاب الإسرائيلي، بدأت هذه المسألة تُطرح بصراحة أكبر. فقد حذّرت يديعوت أحرونوت من أنّ إسرائيل "تفقد تدريجيا السيطرة والحكم" في الضفة الغربية، معتبرة أن تتابع حوادث العنف يكشف تآكل آليات كانت تستخدمها الدولة للموازنة بين العمليات الأمنية وفرض القانون وحياة المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين في الضفة الغربية.
ويحدد التحليل أربع مؤسسات يرى أنها تشكل منظومة أساسية لفرض القانون والتوازن: "الإدارة المدنية"، و"الشرطة الإسرائيلية"، ووحدة مكافحة الإرهاب اليهودي في "الشاباك"، و"النيابة العسكرية". ووفق التحليل، تراجعت قدرة هذه المؤسسات على أداء دورها، ما ترك الجيش أمام واقع أكثر تعقيدا.
كما يربط التحليل بين التطورات الحالية والتغير الذي طرأ على المجتمع الإسرائيلي وبعض الوحدات العسكرية بعد هجمات السابع من أكتوبر والحرب في غزة ولبنان، محذرا من انتقال عقليات قتالية من ساحات الحرب إلى الضفة الغربية، حيث يتطلب التعامل مع السكان المدنيين استخداما أكثر تمييزا للقوة.





