لم يكن خروج دونالد ترامب من تركيا مجرد تغيير مفاجئ في طائرة الرئاسة، بل عملية خداع أمنية معقدة نُفذت في ظل تهديد إيراني باغتياله.

بعد أن ظهر أمام الكاميرات وهو يصعد إلى إير فورس وان، غادر الطائرة سرا عبر مركبة مخصصة لخدمات التموين، وانتقل إلى طائرة عسكرية أخرى، بينما واصل الصحفيون وبعض أفراد طاقمه الرحلة على الطائرة التي كان يُعتقد أنه على متنها.

لكن ما يجعل الواقعة لافتة ليس فقط أسلوبها غير المعتاد، وإنما أنها تفتح سؤالا أكبر: إلى أي حد يمكن للرئيس أن يختفي لحمايته، ومتى يتحول هذا الإخفاء نفسه إلى خطر على من يرافقونه؟

وكشفت وكالة رويترز أن استخدام الخداع في تنقلات الرؤساء ليس جديدا، لكن طريقة تنفيذ عملية ترامب أثارت جدلا واسعا بسبب إشراك الصحفيين، من دون علمهم، في عملية التمويه.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ترامب ليس الأول.. رؤساء سبقوه إلى السفر السري

تاريخيا، لجأ رؤساء أميركيون إلى إخفاء وجهاتهم أو تغيير مساراتهم عندما كانت المخاطر الأمنية مرتفعة.

في عام 2000، سافر بيل كلينتون سرا إلى باكستان في محاولة لخفض التوتر بين إسلام آباد والهند بشأن كشمير. وكانت العملية الأمنية شديدة التعقيد؛ إذ غادر كلينتون الهند متظاهرا بأنه سيصعد إلى طائرة عسكرية، قبل أن يتجه إلى طائرة بيضاء غير مميزة. وفي الرحلة إلى إسلام آباد استُخدمت ثلاث طائرات، بينها طائرة تمويه مشابهة لطائرة الرئيس، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

وبعد ثلاث سنوات، لجأ جورج دبليو بوش إلى السرية في واحدة من أكثر رحلاته خطورة، عندما زار بغداد في نوفمبر 2003، بعد أشهر من بدء حرب العراق. لم يكن حتى زوجته ووالداه على علم مسبق بالرحلة، بينما رافقه عدد محدود من المستشارين والصحفيين الذين أُقسم عليهم بالحفاظ على السر. وغادر مزرعته في تكساس بسيارة غير مميزة، ثم توجه إلى واشنطن ومنها إلى بغداد، حيث أمضى أكثر بقليل من ساعتين ونصف.

أما باراك أوباما، فزار أفغانستان سرا عام 2010 للقاء القوات الأميركية والرئيس الأفغاني. وأُبلغ الصحفيون مسبقا بأنه سيمضي عطلة نهاية الأسبوع في كامب ديفيد، فيما جرت الرحلة ليلا وبإشعار محدود للحكومة الأفغانية، وبقي الرئيس لفترة قصيرة.

لكن نيويورك تايمز تميز بين هذه العمليات وبين ما حدث مع ترامب، إذ تشير أنه في الحالات السابقة كان الهدف الأساسي إخفاء رحلة الرئيس أو وجهته، بينما تضمنت عملية ترامب خدعة مادية أوحت للصحفيين والجمهور بأنه موجود على طائرة بعينها، في حين كان قد غادرها بالفعل.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الصحفيون يتحولون إلى "طُعم".. والغضب يتصاعد

لم تكن المشكلة الأكثر حساسية في عملية ترامب فقط سرية الرحلة، بل أن نحو 12 صحفيا كانوا على متن إير فورس وان ولم يعرفوا أن الرئيس غادرها. وهكذا واصلت الطائرة رحلتها من تركيا، بينما كان من المفترض أن يعتقد أي جهة تستهدف الطائرة أن الرئيس لا يزال على متنها.

وأثار ذلك غضباً بين الصحفيين الذين اعتبروا أنهم تحولوا، من دون علمهم، إلى عناصر تمويه أو طُعم محتمل في عملية أمنية.

ونقلت واشنطن بوست عن صحفي بالبيت الأبيض أن مهمة الصحفي هي تغطية الرئيس وليس الدفاع عنه، وأن الصحفيين يقبلون المخاطر المرتبطة بعملهم، لكن ليس المخاطر التي تُفرض عليهم نيابة عن الرئيس.

واللافت أن الصحفيين تلقوا أثناء الرحلة تعليمات أمنية غير معتادة، بينها إغلاق ستائر نوافذ الطائرة أثناء الإقلاع، وهو إجراء أثار تساؤلات إضافية حول طبيعة الخطر. وفي الوقت نفسه، لم يُبلغ هؤلاء بأن الرئيس لم يعد على متن الطائرة.

وبذلك تحولت المسألة من مجرد عملية أمنية لحماية الرئيس إلى جدل حول حدود السرية بين البيت الأبيض والصحافة: هل يمكن استخدام طائرة تقل صحفيين وموظفين كوسيلة تضليل في مواجهة تهديد عسكري أو إرهابي من دون إبلاغهم؟

لم يقدم البيت الأبيض ردا مباشرا على تفاصيل عملية تبديل الطائرة، مكتفيا بالتأكيد على أن للرئيس أعداء يستهدفونه وأن الإدارة تستخدم كل الأدوات المتاحة للتعامل مع هذه التهديدات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الطائرة السرية ربما كانت الأخطر

جاءت المفارقة الأبرز من ترامب نفسه، إذ قال في تصريحات نقلتها رويترز، إن الطائرة التي استقلها سرا ربما كانت أكثر عرضة للخطر من إير فورس وان، لأن الطائرة التي تحمل الرئيس عادة هي الهدف الأكثر ترجيحا لأي محاولة استهداف.

وبحسب الرواية التي نقلتها رويترز، فإن جهاز الخدمة السرية هو الذي قرر تغيير الطائرة بعد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، وسط تهديد اغتيال إيراني. وبعد صعود ترامب إلى إير فورس وان، خرج منها سرا عبر مركبة التموين وانتقل إلى طائرة عسكرية أخرى متجها إلى بريطانيا.