أقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة منذ بداية ولايته الثانية، بأن خطابه يقوم على استراتيجية تقوم على التهويل والتهديد الاقتصادي والعسكري لفرض شروط إدارته. غير أنه، وبعد مرور 16 شهراً على دخوله البيت الأبيض ملوّحاً بزيادات في الرسوم الجمركية، لم تعد تصريحاته النارية تثير القلق نفسه لدى قادة العالم، وفق ما أفادت به صحيفة واشنطن بوست.
وفي أبريل 2025، ومع إعلان رفع الرسوم الجمركية، بدا المشهد وكأن جرس إنذار عالمي قد دُقّ؛ إذ تكبّدت الأسواق خسائر بمليارات الدولارات، وتدفّق المبعوثون إلى واشنطن، بينما سارعت أكثر من 75 حكومة إلى فتح قنوات تفاوض. بل إن بعض الدول تراجعت عن إجراءات مضادة كانت قد أعدّتها على عجل، في محاولة لإبرام صفقات سريعة.
تهديدات بلا أثر؟
يرى محللون وسياسيون أن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يواجه ضغوطاً قضائية ومعارضة من بعض الجمهوريين داخل الكونغرس، باتت تفقد زخمها تدريجياً. ويأتي ذلك في ظل ما يصفه مراقبون باستغلال إيراني لهذه المعادلة، عبر اتباع سياسة المماطلة في حرب مستمرة منذ نحو ستة أشهر، تزامناً مع تراجع شعبية ترامب.
وتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أنه مع اقتراب ترامب من منتصف ولايته الثانية، لم تعد تصريحاته على وسائل التواصل الاجتماعي تُحدث الصدمة ذاتها كما في السابق.
وفي هذا السياق، قال براندو بينيفي، عضو البرلمان الأوروبي ورئيس وفد العلاقات مع الولايات المتحدة: "لقد اعتدنا على هذه الإعلانات اليومية، ولم نعد نأخذها على محمل الجد كما كنا نفعل سابقاً"، وفق ما نقلته الصحيفة.
تراجع على المستويين الدولي والمحلي
بحسب صحيفة واشنطن بوست، لم يتمكن ترامب من تحقيق الأهداف التي وضعها ضمن أجندته السياسية حتى الآن. فعلى الصعيد الدولي، تواصل إيران، رغم الحملة العسكرية الأميركية، رفض إعادة فتح مضيق هرمز، فيما يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه في أوكرانيا. أما أوروبا، فقد تعاملت بلا مبالاة مع مطالب ترامب المتكررة مؤخراً بشأن غرينلاند، في حين تجاهل الشركاء التجاريون أحدث الزيادات في الرسوم الجمركية.
أما داخلياً، ورغم استمرار هيمنة ترامب على النقاش الوطني وقدرته على دفع أجندته السياسية، فإنه لم يتمكن من إجبار مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية على إبقاء ملفات إبستين سرية أو تمرير قانونه الرئيسي "إنقاذ أميركا". كما اضطر هذا الأسبوع إلى تقديم تنازلات لإعادة ترشيح تود بلانش لمنصب المدعي العام إلى مساره الصحيح، وفق الصحيفة.
منذ شنّ الحرب على إيران في أواخر فبراير بمشاركة إسرائيل، أطلق ترامب سلسلة من الإنذارات النهائية، مطالباً طهران بإعادة فتح مضيق هرمز، ومهدداً بـ"إبادة الحضارة" الإيرانية في حال رفضت ذلك. غير أن المضيق بقي مغلقاً، ولم تستسلم إيران، فيما عمد ترامب بهدوء إلى تعديل أهدافه المعلنة، سواء بشأن تغيير النظام أو ملف مخزون اليورانيوم المخصب، وفقاً للتقرير.
ويقول رونالد إي. نيومان، الدبلوماسي المخضرم الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى أفغانستان والبحرين والجزائر خلال عهدي الرئيسين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش: "بين التهديدات والقصف والتراجع، فإن الرسالة التي يبعث بها إلى الإيرانيين هي أنه في موقف يائس".
"TACO".. عندما تفقد تهديدات ترامب تأثيرها
تشير صحيفة واشنطن بوست إلى انتشار مصطلح "TACO"، وهو اختصار لعبارة "Trump Always Chickens Out" أي "ترامب يتراجع دائماً"، بين متداولي الأسهم وفي عدد متزايد من عواصم العالم، بحسب جيريمي شابيرو، مدير برنامج الولايات المتحدة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
وترى الصحيفة أن عالماً أنهكته قدرة الولايات المتحدة على إحداث اضطرابات، بدأ ينظر إلى أسلوب التهديد والتصعيد باعتباره جزءاً من نهج مألوف؛ إذ بات يُنظر إلى التبجح على أنه سمة متأصلة، وإلى كثير من التهديدات باعتبارها مجرد أدوات تفاوضية، فيما ينتهي الرئيس الذي يعتمد أسلوب الصدمة والترهيب غالباً إلى التراجع.
وقال شابيرو، متحدثاً عن حملة التهديدات التي هزّت العالم في بداية ولاية ترامب الثانية: "لقد فوجئت قليلاً بمدى نجاح تبجحه حتى الآن". وأضاف أن هذه الاستراتيجية نجحت لأنها اعتمدت على "القوة الهائلة والرصيد الدبلوماسي الضخم والمتراكم للولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن هذه الاحتياطات "بدأ ترامب أخيراً في استنزافها".
وأضاف شابيرو أن المسؤولين حول العالم "بدأوا يلاحظون أنه يميل إلى التنمر، وأنه يمكن تخويفه بسهولة".
كما نقلت الصحيفة عن دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن المسؤولين الإسبان باتوا أكثر ميلاً إلى التعامل مع تهديدات ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا باعتبارها مجرد تصريحات عابرة، بعدما أدرك كثيرون من خلال التجربة أن هذه التهديدات غالباً ما تتلاشى عند تجاهلها.
ويقول مجتبى رحمن، المدير الإداري لأوروبا في مجموعة أوراسيا الاستشارية: "أصبحت أوروبا أقل عرضة للذعر بشكل ملحوظ. فالحكومات الأوروبية باتت تميّز بصورة متزايدة بين خطاب ترامب والسياسات التي تتحول في نهاية المطاف إلى إجراءات فعلية".
وبحسب دبلوماسي أوروبي شارك بشكل مباشر في محادثات مع إدارة ترامب، فإن القادة الأوروبيين ما زالوا مستعدين لمجاملة ترامب، خصوصاً خلال اللقاءات الخاصة، لكنهم أصبحوا أقل استعداداً لتقديم التنازلات التي يطالب بها.
وقال رونالد إي. نيومان، السفير الأميركي السابق: "أعتقد أن الناس يقولون: حسناً، لا نريد استفزازه من دون داعٍ، لكننا لا نستطيع إرضاءه فعلاً".
وتنقل الصحيفة عن محللين أن تعلّم كيفية التعامل مع تهديدات ترامب واحتوائها لا يعني بالضرورة أن بقية ولايته ستكون أكثر سهولة. بل قد يؤدي إلى مرحلة أقل قابلية للتنبؤ، خصوصاً إذا فقد الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي، ما قد يدفع ترامب إلى الاعتماد بشكل أكبر على القرارات التنفيذية الأحادية.





