لم تكن زهية بن قارة أول امرأة جزائرية تتعرض للتنمر بسبب مظهرها أو صوتها، لكنها أصبحت أحدث مثال على تحول الهجمات الشخصية إلى قضية رأي عام، على غرار ما حدث للملاكمة الجزائرية إيمان خليف، التي واجهت حملات تشكيك وإساءات استهدفت ملامحها الخارجية أكثر من إنجازاتها الرياضية.

واليوم، تجد رئيسة بلدية الشيقارة السابقة ومديرة الثانوية نفسها في مواجهة موجة جديدة من التعليقات المسيئة على منصات التواصل الاجتماعي، مع إعلان ترشحها للانتخابات التشريعية، وهي تعليقات أعادت إلى الواجهة الجدل القديم حول نظرة جزء من المجتمع للمرأة التي تتولى المناصب العامة.

ورغم أن الهجمات ركزت على شكلها وصوتها، فإن مسيرة زهية بن قارة تقدم صورة مختلفة. فهي أكاديمية متخصصة في الفقه وأصوله، وناشطة اجتماعية وسياسية، وأول امرأة تنتخب رئيسة بلدية في الجزائر، كما ارتبط اسمها بتجربة محلية لاقت إشادة بسبب مشاريعها التنموية في بلدية ريفية بولاية ميلة.

من أول رئيسة بلدية إلى مرشحة للبرلمان

ولدت زهية بن قارة عام 1977، وهي حاصلة على بكالوريوس في الشريعة الإسلامية تخصص الفقه والأصول. بدأت نشاطها الاجتماعي عام 1995، ثم انضمت إلى حركة مجتمع السلم عام 1997، قبل أن تتدرج في المسؤوليات الحزبية وصولا إلى عضوية مجلس الشورى الوطني للحركة، إلى جانب نشاطها في عدد من الجمعيات الوطنية، بحسب وكالة جيهان.

وشكل انتخابها رئيسة لبلدية الشيقارة في ولاية ميلة محطة استثنائية في الحياة السياسية الجزائرية، إذ أصبحت أول امرأة تصل إلى رئاسة بلدية، في منطقة ريفية محافظة كانت تعتبر هذا المنصب حكرا على الرجال، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية.

وخلال رئاستها للبلدية بين عامي 2017 و2025، ارتبط اسمها بتنفيذ مشاريع خدمية شملت تحسين البنية التحتية، وتوصيل المياه، وتعبيد الطرق، وبناء مدارس في القرى، وفقا لوكالة جيهان.

وبعد انتهاء عهدتها، عادت إلى قطاع التربية لتشغل منصب مديرة ثانوية، وأطلقت أول إذاعة مدرسية يديرها التلاميذ، قبل أن تعلن ترشحها لخوض الانتخابات التشريعية، مستندة إلى تجربتها في العمل المحلي وإلى رصيدها الشعبي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ولاية المرأة.. قراءة فقهية في مواجهة العقلية الذكورية

لم تكتف زهية بن قارة بالدفاع عن حق المرأة في الترشح للمناصب العامة من منطلق سياسي، بل استندت إلى تكوينها الأكاديمي للرد على من يعتبر أن المرأة لا يجب أن تتولى المسؤوليات التنفيذية أو التشريعية.

وفي مقابلة مع قناة الوطنية، قالت إن ضعف تمثيل المرأة في المؤسسات المنتخبة يعود إلى عدة أسباب، أبرزها "المجتمع الذكوري والرجولي"، مؤكدة أن قناعتها، التي تستند إلى الدستور هي أنه "لا حرج في أن تتولى المرأة المناصب التشريعية أو التنفيذية"، شريطة أن تتمتع بالكفاءة والخبرة.

وأضافت أن نجاح المرأة في الوصول إلى مواقع القرار يتطلب أيضا اقتناع الرجال بحقها في المشاركة، لأن ذلك يفتح المجال أمام الكفاءات النسائية، كما دعت النساء إلى التمسك بحقوقهن وعدم انتظار من يمنحهن الفرصة، قائلة إن الحقوق لا تستعاد إلا بالمطالبة بها، بحسب قناة الوطنية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"النساء أقل فسادا".. رؤية تثير الجدل

من أكثر تصريحات زهية بن قارة إثارة للنقاش تلك المتعلقة بعلاقة المرأة بالفساد، إذ ترى أن النساء يمتلكن أفضلية أخلاقية في هذا المجال.

وفي حديثها لقناة الوطنية، قالت إن المرأة الجزائرية بطبيعتها لا تلجأ إلى "الطرق المظلمة" التي قد يسلكها بعض الرجال لتحقيق مصالحهم، معتبرة أن النساء أكثر حرصا على سمعتهن وأسرهن، وهو ما يجعلهن أقل عرضة لممارسات الفساد.

وفي تصريحات أخرى متداولة خلال حملتها الانتخابية، قدمت مثالا على ذلك بقولها إن كثيرا من الصفقات والترتيبات غير الرسمية تتم بين الرجال في المقاهي، بينما لا تجلس النساء في المقاهي لإبرام مثل هذه التفاهمات، معتبرة أن هذا النمط من العلاقات غير الرسمية يمثل أحد منافذ الفساد التي تبقى المرأة بعيدة عنها.

وتأتي هذه التصريحات في سياق خطاب أوسع تتبناه بن قارة، يقوم على أن معيار النجاح في العمل العام ليس الجنس، وإنما الكفاءة والخبرة والإخلاص، وأن التجربة الميدانية هي الرد الحقيقي على الأحكام المسبقة التي تواجهها النساء في المجال السياسي.

وبين حملات التنمر التي استهدفت مظهرها وصوتها، والجدل الذي أثارته مواقفها بشأن ولاية المرأة والفساد، تواصل زهية بن قارة تقديم نفسها باعتبارها نموذجا لامرأة تسعى إلى كسر الصور النمطية في مجتمع محافظ، معتمدة على سجلها في الإدارة المحلية أكثر من اعتمادها على الخطاب السياسي التقليدي.